الشيخ محمد هادي معرفة

477

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال : فهذا دليل على أنّ العُمدة في الإعجاز ليس اختصاصه بالفصاحة والبلاغة ، لكن عجز ومنع أحدثهما اللّه تعالى فلم يشتغلوا بالمعارضة . ومنها : أنّ اللّه تعالى أنزل القرآن وأودع فيه من العلوم ماعَلِمَ أنّ حاجة الخلق تمسّ إليه إلى قيام الساعة ، لاجَرَم بَذل العلماء في كلّ نوع منه مجهودهم ، واستفرغوا فيه جهدهم ووسعهم ، فأهل الكلام - خصوصا أهل العدل والتوحيد - استظهروا في ما ذهبوا إليه من العدل والتوحيد بالآيات الواردة فيه على صحّة ما اعتقدوه ، وعلى [ إبطال ] ما ذهب إليه أهل الأهواء والبدع وفساد ماانتحلوا . وأهل الفقه غاصوا في بحور النصوص فاستنبطوا منها المعاني وفرّعوا الأحكام عليها . وأهل التأويل خاضوا في محكمها ومتشابهها ، ومجملها ومفصّلها ، وناسخها ومنسوخها . وأهل النحو بسطوا الكلام في تصانيفهم بسطا ، فكلّ أنفق على قدر مارزق ، ثمّ لم يبلغنا عن واحد منهم أنّه شمَّر ذيله وادَّرعَ ليله « 1 » في بيان وجه الإعجاز على التفصيل سورة فسورة وآية فآية ، فابتدأ مثلًا بفاتحة الكتاب ، فكشف عن وجه الإعجاز في ثلاث آيات منها ، ثمّ ترقّى إلى ثلاث آيات اخر ، فكشف عنها أيضا وجه الإعجاز إلى أن ينتهي إلى آخرها ، مع شدّة الحاجة إلى ذلك في كلّ زمان ، إذ حجّة اللّه تعالى قائمة ، ومعجزته على وجه الدهر باقية . وكذلك لم ينقل أنّهم صنَّفوا في هذا الباب على هذا الوجه تصنيفا مع تهالكهم وولوعهم ، والعجب أنّهم صنَّفوا في حُلِيّ الصحابة والتابعين وهيئاتهم ، فذكروا الطوال منهم والقصار ، ومن ابتلي منهم بالعَمى والعَور والعَرج والعجمة والزمانة والشلل ، مع أنّ بالخلق مندوحة وغنية عن ذلك . وهذا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ صنّف كتبا في الجدّ والهزل تكاد لاتُعدّ ولا

--> ( 1 ) - يقال : « شَمَّر ذيلًا وادَّرع ليلًا » أي استعمل الحزم واتّخذ الليل جملًا .