الشيخ محمد هادي معرفة

462

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فكأنّه قال : ما دعاك إلى أن لا تسجد . لأنّ مخالفة أمر اللّه تعالى حالة عظيمة يتعجّب منها ويُسأل عن الداعي إليها . « 1 » وقال الحجّة البلاغي : هناك فرق بين الاستفهامين في سورتي « ص » و « الأعراف » . فالاستفهام في سورة « ص » - استنكارا أو توبيخا - إنّما وقع عن المانع عن السجود أوّلًا ، بقوله « ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » . . . ثمّ عن الحامل له على المعصية ، بقوله : « أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ » . . . فأجاب إبليس - معتذرا - بكونه أعلا مرتبة : « قالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » « 2 » . وهذا الذي صُرّح به في سورة « ص » - أي السؤال عن السبب الحامل على العصيان الذي كان هوالاستكبار والاستعلاء - جاء مطويّا به في سوة الأعراف ، بدخول حرف « لا » . أي ما حملك على المعصية بترك السجود . « قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » « 3 » . أي ما منعك من السجود وما حملك على العصيان . « 4 » لكن الذي يبدوا من ظاهر الآية ، بملاحظة نظائرها في التعبير : أنّ « انْ » هنا - في سورة الأعراف - مفسّرة ، بخلافها في سورة « ص » وهي مصدريّة . ففي سورة « ص » وقع الاستفهام بشكله العادي ، سؤالًا استنكاريا عن الامتناع من السجود « ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ » أي ما منعك من السجود . أمّا في سورة الأعراف فهناك تفكيك بين الجملتين ، أوّلًا : السؤال عن تمرّده محضا « ما مَنَعَكَ . . . » بعد قوله : « فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ، لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ » . ومن ثمّ جاءه العتاب : « ما مَنَعَكَ . . . » . ثمّ فسّر هذا التمرّد والامتناع بأنّه لم يسجد . فكان معنى الكلام : « ما منعك من الامتثال ، بأن لا تسجد . . . » . فكان مجرّد عدم

--> ( 1 ) - . التفسير الكبير ، ج 14 ، ص 31 - 32 . ( 2 ) - . ص 75 : 38 - 76 . ( 3 ) - . الأعراف 12 : 7 . ( 4 ) - . راجع : مقدمة تفسيره آلاء الرحمان ، ص 39 . بتصرّف .