الشيخ محمد هادي معرفة
460
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بَشِيراً وَنَذِيراً ، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . وَقالُوا : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ . فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ » « 1 » . إلى غيرها من آيات تنبؤك عن شقاء أحدق بالقوم ، ليحسبوا من أنفسهم عاجزين عن كسب المعالي والنيل بشرف الفضائل والمكرمات . قال تعالى - ردّا على هذه المزعومة - : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » . « 2 » حثّ للمؤمنين بأن يقوموا بساق الجدّ ويعملوا في كسب الفضائل . . . « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » « 3 » . و « كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ » . « 4 » فمن زَرَع حَصَدَ ومن جَدَّ وَجَدَ . ولتكن حصيلة هذا الجدّ ونتيجة هذا الكدّ المستمرّ ، إفاضة بركات السماء والأرض . فلا يذهب وهم أهل الكتاب : أنّهم مكتوفوا اليد ، لا يقدرون على كسب شَيء من فضل اللّه تعالى وبركاته المفاضة على أهل الإيمان والإحسان . فلا ييأسوا من روح اللّه . وليتبيّن لهم : أنّ الفضل بيد اللّه ، ولكن يؤتيه من يشاء وهو الآهل لشمول رحمته ، بفضل جدّه وجهده . فهذه الآية وما شاكلها نفث لروح الرجاء في قلوب من انتابتهم حالة اليأس والقنوط . وقوله تعالى : « قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ . . . » « 5 » . قال الزمخشري : « لا » في « أَلَّا تَسْجُدَ » صلة ، أي زائدة . بدليل قوله : « ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » « 6 » . وكذا قال الفرّاء : المعنى ، ما منعك أن تسجد . و « أن » في هذا الموضع تصحبها « لا » ،
--> ( 1 ) - . فصّلت 3 : 41 - 5 . ( 2 ) - . الحديد 28 : 57 - 29 . ( 3 ) - . النجم 39 : 53 . ( 4 ) - . الطور 21 : 52 . وفي سورة المدّثّر 38 : 74 : « كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَت رَهينَة » . ( 5 ) - . الأعراف 12 : 7 . ( 6 ) - . ص 75 : 38 . راجع : الكشاف ، ج 2 ، ص 89 .