الشيخ محمد هادي معرفة

432

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي : والقَسَم تأكيد الخبر بما جعله في حيّز المتحقّق . « 1 » وعن بعض الأعراب أنّه لمّا سمع قوله تعالى : « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » « 2 » ، صَرَخ وقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتّى ألجأه إلى اليمين ؟ ! ومن ثمّ فقد يقوم مقام القسم ما يؤدّي معناه فيجاب كما يجاب القسم . وسيأتي . إذن فاليمين نوع توكيد ، جرت عليه اللغة وأساليب الكلام ، لكنّه توكيد بليغ قد بلغ غايته فيتحقيق الخبر . ومن أصول البلاغة : مضاعفة التوكيد حسب تصاعد درجة الإنكار أو تراكم الشُّبَه . قالوا : من ضرورة البلاغة في الكلام ، إلقاؤه حسب مقتضى الحال والمقام . فإنّ للكلام مقامات متفاوتة . قال السكّاكي ( ت 626 ) : مقام الكلام ابتداءً يغاير مقام الكلام بناءً على الاستخبار أو الإنكار ، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار . وكذا مقام الكلام مع الذكيّ يغاير مقام الكلام مع الغبيّ ولكلّ من ذلك مقتضىً غير مقتضى الآخر . وارتفاع شأن الكلام - في باب الحسن والقبول - وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به ، وهو الذي نسمّيه : مقتضى الحال . فإن كان مقتضى الحال إطلاق الحكم ، فحُسن الكلام تجريده عن مؤكّدات الحكم ، وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك ، فحسن الكلام تحليته بشيء من ذلك بحسب المتقضي ضعفا وقوّةً . قال : فإذا القي الجملة الخبريّة إلى من هو خالي الذهن عمّا يُلقى إليه ، ليحضر طرفاها

--> ( 1 ) - التبيان ، ج 10 ، ص 190 . ( 2 ) - الذاريات 22 : 51 - 23 .