الشيخ محمد هادي معرفة
428
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
شرحا وافيا ، قال : وهذا البابُ أنا استخرجتُه من كتاب اللّه تعالى ، وهو مخادعاتُ الأقوال التي تقومُ مقام مخادعات الأفعال ، والكلامُ فيه وإن تضمَّن بلاغة ، فليس الغرض هاهنا ذكر بلاغته فقط ، بل الغرضُ ذكرُ ماتضمَّنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم . وإذا حُقِّق النظرُ فيه عُلِم أنّ مدارَ البلاغة كلِّها عليه ، لأنّه لاانتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة ، ولا المعاني اللطيفة الدقيقة ، دُونَ أن تكونَ مُستجلِبَة لبلوغ غرض المخاطب بها . والكلام في مثل هذا ينبغي أن يكون قصيرا في خلابه ، لا قصيرا في خطابه . فإذا لم يتصرَّف الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده ، وإلّا فليس « 1 » بِكاتب ، ولا شبيه له إلّا صاحب الجدل ، فكما أنّ ذاك يتصرَّف في المغالطات القياسيَّة ، فكذلك هذا يتصرَّف في المغالطات الخطابية . وقد ذكرتُ في هذا النوع مايُتعلَّم منه سلوكُ هذه الطريق . فمن ذلك قوله تعالى : « وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » . « 2 » ألا تَرى ماأَحسن مأخذَ هذا الكلام وألطفه ، فإنَّه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم ، فقال : لا يخلو هذا الرجُل من أن يكونَ كاذبا فكذبُه يعودُ عليه ولا يتعدّاه ، أو يكونَ صادِقا فَيصيبكم « 3 » بعضُ الذي يعِدُكم إنْ تعرّضتُم له . وفي هذا الكلام من حُسن الأدب والإنصاف ماأذكره لك ، فأقول : إنَّما قال : « يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ » وقد علم أنَّه نبيٌّ صادقٌ ، وأنّ كلَّ مايَعِدُهم به لابدّ وأن يُصيبَهم ، لابعضه ، لأنَّه احتاجَ في مُقاولة خصوم مُوسى عليه السلام أن يسلك معهم طريق الإنصاف
--> ( 1 ) - سياق المعنى يقتضي حذف كلمة « وإلّا » . ( 2 ) - غافر 28 : 40 . ( 3 ) - في الأصل « يصبكم » .