الشيخ محمد هادي معرفة

426

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ » « 1 » كناية عن أنّ المؤمنين سوف يكونون هم الذين يخرجون المنافقين من المدينة ، لأنّهم هم الأعزّاء وغيرهم الأذلّاء . * وقوله تعالى : « وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ » « 2 » كأنّه قيل : نعم ، هو اذُن ، ولكن نعمَ الاذُن ، أي هو اذُن كما قلتم ، إلّا أنّه اذُن خير لااذُن سوء . فسلّم لهم قولهم فيه ، إلّا أنّه فسّره بما هو مدح له ، وإن كان قصدوا به المذمّة . ولا شئ أبلغ في الردّ من هذا الأسلوب ، لأنّ فيه إطماعا في الموافقة ، وكرّا إلى إجابتهم في الإبطال ، وهو كالقول بالموجب في الأصول . « 3 » الأسلوب الحكيم قال ابن‌معصوم : يشترك « القول بالموجب » و « الأسلوب الحكيم » في كون كلّ منهما من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر ، ويفترقان باعتبار الغاية . فإنّ « القول بالموجب » غايته ردّ كلام المتكلّم وعكس معناه . و « الأسلوب الحكيم » هو تلقّي المخاطب بغير مايترتّب ، بحمل كلامه على خلاف مراده ، تنبيها على أنّه الأولى بالقصد . أو السائل بغير ما يتطلّب ، بتنزيل سؤاله منزلة غيره ، تنبيها على أنّه الأولى بحاله والمهمّ له . أمّا الأول : فكقول القبعثري للحجّاج : « مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب » وقد تقدّم . « 4 » وأمّا الثاني : فكثير منه في القرآن ، ويعدُّ من بدائع خطابه مع أولئك الأقوام الجهلاء بما يصلحهم ويناسب شأنهم . من ذلك قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » . « 5 »

--> ( 1 ) - المنافقون 8 : 63 . ( 2 ) - التوبة 61 : 9 . ( 3 ) - نقله ابن معصوم عن الطيبي ؛ راجع : أنوار الربيع ، ج 2 ، ص 200 . ( 4 ) - في هامش موضوع « القول بالموجب » . ( 5 ) - البقرة 189 : 2 .