الشيخ محمد هادي معرفة

422

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وكيف تطمح أن يهب لك إنسان مثلك هاتين الطلبتين على سواء وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء ، وما كلام المتكلّم إلّا انعكاس الحالة الغالبة عليه ، ( وكلّ إناء بالَّذي فيه ينضح ) . « قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ » « 1 » وفاقد الشيء لا يستطيع أن يمنحك به . هذا مقياس يمكنك أن تتبيّن فيه ما لكلّ لسان وما لكلّ قلم من قوّة غالبة عليه ، حينما ينطق وحينما يكتب . فإذا رأيته يتّجه إلى حقيقة فرغ له بعد ما قضى وطره ممّا مضى ، عرفت بذلك أنّه يضرب بوترين ، ويتعاقب على نفسه الشعور والتفكير تعاقب الليل والنهار لا يجتمعان . وأمّا أنّ أسلوبا واحدا يتّجه اتّجاها واحدا ، ويستهدف هدفا واحدا ، ويرمي إلى غرض واحد ، ولكنّه مع ذلك قد جمع لك بين الطريقتين : إقناع عقلك وإمتاع نفسك معا ، وفي آنٍ واحد وفي كلام واحد ، كما يحمل العنصر الواحد من الشجرة الواحدة أوراقا وأثمارا ، أنوارا وأزهارا ، معا ، أو كما تجري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر . . . فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر على الإطلاق ، ولا هو من سنن اللّه في النفس الإنسانية . « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » . فمن أين لك بكلام واحد وبيان واحد وأسلوب واحد ، يفيض عليك من الحقيقة البرهانية والدلائل العقلانية ، بما يرضي أولئك الفلاسفة الحكماء ، والمتعمّقين النبلاء ، ويرضخ بعقولهم الجبّارة . وإلى جانب ذلك - وفي نفس الوقت - يضفي عليه من المتعة الوجدانية والعذوبة والحلاوة والطلاوة ، مايسدّ فهم هؤلاء الشعراء المرحين وأصحاب الأذواق الرقيقة الفكهين . ذلك هو اللّه ربّ العالمين ، الذي لا يشغله شأن عن شأن ، القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان واحد ، وأن يمزج الحقّ والجمال جميعا ، يلتقيان ولايبغيان . . . فيستخرج منهما اللؤلؤ والمرجان . . . ويسقيك من هذا وذاك شرابا طهورا ، عذبا فراتا ،

--> ( 1 ) - الإسراء 84 : 17 .