الشيخ محمد هادي معرفة

420

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » . « 1 » وفي الآية وما يتعقّبها نكات وظرف دقيقة : منها : قوله « مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ » أو « مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ » - في آية أخرى - وهذا تنويه بأنّ المتبقّى من التوراة ليس كلّها وإنّما هو بعضها . . . لكنّه لم يقل : « لما بقي من التوراة عندكم » وعبّر « بما معكم » لئلّا يتنبّه اليهود إلى ذريعة أخرى لعلّهم يتذرّعون بها ، هو أنّ المنافرة إنّما كانت بين القرآن وماذهب من التوراة ، فيجادلون الإسلام بهذه الطريقة . . . وهي طريقة أخذ ماتسالم الخصم دليلًا عليه . . . ولم يقل : « مصدّقا بالتوراة عندكم » لأنّه حينذاك كان اعترافا بأنّ الموجود هو تمامها لا بعضها . فأتى بما لايمكّنهم المخاصمة جدلًا ، ولا كان اعترافا بصدق ماعندهم أنّه توراة كلّه . وهذا من دقيق التعبير الذي خصّ به القرآن الكريم . وأيضا في التعقيب بقوله : « فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ » . « 2 » نسبة القتل إليهم بالذات ، لأنّهم رضوا بفعل آبائهم ومشوا على طريقتهم ، ولو قال : « فَلِمَ قَتَل آباؤكم . . . » لكان فيه حديث أخذ الجار بذنب الجار ، وكان أشبه بمُحاجّة الذئب : عدا على حَمَل صغير ، بحجّة أنّ أباه قد عكّر الماء عليه في قناة كان يشرب منها . « 3 » إقناع العقل وإمتاع النفس ميزة أخرى في احتجاجات القرآن ، هو حينما يحاول إخضاع العقل ببراهينه المتينة تراه لايتغافل عن إمتاع النفس بلطائف كلامه الظريفة ورقائق بيانه العذبة السائغة ، جامعا بين إناقة التعبير وفخامة المحتوى ، سهلًا سلسا يستلذّه الذوق ويستطيبه الطبع ، عذبا فراتا لذّة للشاربين .

--> ( 1 ) - آل عمران 19 : 3 - 20 . ( 2 ) - البقرة 91 : 2 . ( 3 ) - النبأ العظيم ، ص 117 .