الشيخ محمد هادي معرفة
412
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وهذا من قياس النظير على النظير ، فقد قيس أمر الإعادة على أمر البدء ، قياسا معقولًا ، لأنّ الذي فعل شيئا قادر على أن يفعل مثله ، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . . . بل المسألة هنا هي الإعادة ، وهي أهون من الإبداع . كما سبق في قوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . . » . « 1 » * ومن هذا القبيل قوله تعالى : « قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » . « 2 » استدلال لطيف على إمكان الإحياء ، قياسا على البدء أولًا ، لأنّ الإعادة أهون من الإنشاء . . . ثمّ القياس على المحسوس المشاهد . . . وأنّ الذي ينشئ من العود الرطب نارا كيف يعجزه إفاضة الحياة على العظام الرميم ؟ ! وأخيرا فإنّ خلق السماوات والأَرض أعظم من خلقهم ، وهو القادر والخلّاق العليم بكيفية الخلق والإعادة . . . * وكذا جميع ماقيس من إعادة الحياة وحشر الأموات ، على إحياء الأَرض بعد موتها بالمطر والإنبات . * وأجمل حجاج جاء إفحاما للخصم ودحضا لحجّته قوله تعالى : « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ . إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . « 3 » انظر إلى هذه المحاججة اللطيفة والردّ الجميل ، كيف أنّهم أقسموا باللّه لإنكار البعث ، فردّ عليهم بقوله « بلى » ! وأنّ الَّذي تقسمون به فإنّه يناقضكم صريحا !
--> ( 1 ) - الروم 27 : 30 . ( 2 ) - يس 78 : 36 - 81 . ( 3 ) - النحل 38 : 16 - 40 .