الشيخ محمد هادي معرفة
405
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
منضمّا إلى ما فيه من ائتلاف اللفظ والمعنى والتهذيب وحسن النسق والتمثيل وحسن البيان والمساواة ، لتعلم أنّ هذا الكتاب العزيز - بأمثال هذه الآية - عجَّز الفصحاء وبلّد الأذكياء وأعيى على البلغاء . « 1 » الاستخدام أن يؤتى بلفظ يحتمل معنيين أو معاني ، فيراد به أحد معانيه ، ثمّ يتعقّب بما يفهم منه إرادة معناه الآخر ، مجازا أو حقيقةً بالاشتراك ، أعمّ منه أو أخصّ أو مباين . وهي طريقة في البيان أشبه بالتورية ، قلّ من يستطيع سلوكها بسلام وتجنّب لأخطارها ، من الوقوع في الكذب أو التشويش على السامع ، بإجمال أو إبهام في كلام . لكنّه فنّ بديع وأسلوب رقيق ، إن دلّ فإنّما يدلّ على سلطة في البيان ، ويكون آخذا وثيقا بأعنّة الكلام يوجّهه حيثما شاء ، لا يخاف دركا ولايخشى . وقد استعمله القرآن بسهولة ويُسر وسلامته عن الخلل والفساد ، الأمر الذي لا يوجد نظيره في سائر الكلام . من ذلك قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا » . « 2 » فالصلاة مراد بها أولًا معناها المعهود . لكنّه في قوله : « وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ » أريد موضعها وهو المسجد ، حيث كان المتعارف إيقاع الصلاة فيه ذلك العهد . * * * ومثّل له ابن أبيالإصبع بقوله تعالى : « لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ . يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » . « 3 » فالكتاب في « لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ » يحتمل معنيين : الأمد المحدود لايتغيّر ولا يتبدّل ، كقوله تعالى : « حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ » « 4 » أي أمده المقرّر شرعا وهو تمام العدّة . والمعنى
--> ( 1 ) - بديع القرآن ، ص 46 - 48 . ( 2 ) - النساء 43 : 4 . ( 3 ) - الرعد 38 : 13 - 39 . ( 4 ) - البقرة 235 : 2 .