الشيخ محمد هادي معرفة
381
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
والدليل على ذلك أنّ الاستعاذة قبل القراءة ، أي استعذ إذا قرأت ، أي أردت القراءة . ونظيره قوله تعالى : « إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا . . . » « 1 » لأنّ الوضوء قبل القيام إلى الصلاة . وأيضا قوله : « فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً » . « 2 » أي فضرب فانفجرت منه . . . وتسمّى هذه الفاء فاء الفصيحة . * * * الضرب الثالث : الإضمار على شريطة التفسير . بأن يحذف من الكلام شيء ، ويكون في آخر الكلام مايدلّ عليه من لفظه . كقوله تعالى : « أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . « 3 » تقديره : أفمن شرح اللّه صدره للإسلام كَمَن أقسى قلبه ؟ ! ويدلّ عليه قوله - بعد ذلك - : « فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ » . وكقوله : « لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا . . . » . « 4 » فطرف الاستواء محذوف ، دلّت عليه الجملة بعدها . * * * الضرب الرابع : مالايكون أحد الثلاثة المتقدّمة ، كما في قوله تعالى : « قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ( إلى قوله ) : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ . وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ » . « 5 » فبين قوله : « وَفِيهِ يَعْصِرُونَ » وقوله : « وَقالَ الْمَلِكُ . . . » تقدير جمل كثيرة ، تقديرها : فرجع الرسول إليهم ، فأخبرهم بمقالة يوسف ، فعجبوا لها ، فتشاوروا بينهم ماذا يفعلون ، فاستقرّ أمرهم على أن يطلبوه ، فيكلّموه مشافهة . . . وقال الملك . . . والمحذوف المقدّر قد دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة ، وذلك لدلالة حاشيتيه .
--> ( 1 ) - المائدة 6 : 5 . ( 2 ) - البقرة 60 : 2 . ( 3 ) - الزمر 22 : 39 . ( 4 ) - الحديد 10 : 57 . ( 5 ) - يوسف 47 : 12 - 50 .