الشيخ محمد هادي معرفة
367
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الحكيم - ومن ثمّ عاد إلى الوصف بالعزّة والعلم توكيدا . وأيضا ممّا ينخرط في هذا السلك العدول من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة ، كقوله تعالى : « وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . « 1 » وإنّما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنّه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة وهو يريد مناصحتهم ليتلطّف بهم ويداريهم ، لأنّ ذلك أدخل في إمحاض النصح ، حيث لا يريد لهم إلّا ما يريد لنفسه . فقد وضع « وَما لِيَ لا أَعْبُدُ . . . » مكان : وما لكم لاتعبدون الذي فَطركم . بدليل « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . ولولا ذلك لقال : وإليه أرجع . وقد ساق الكلام ذلك المساق البديع إلى أن قال : « إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ » . « 2 » فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه النُكت الدقيقة التي تمرّ عليها في آيات الذكر الحكيم ، وأنت تظنّ أنّك فهمت فحواها ، واستنبطت مغزاها . وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد ، كقوله تعالى : « حم . وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . « 3 » وفائدة العدول في قوله « رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ » هو تخصيص النبي صلى الله عليه وآله بالذكر ، وأنّه المقصود بالذات من هذا النزول . قال : وإذا تأمّلت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله الشيء الكثير . وإنّما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها ، فيتدبّر المتدبّرون . « 4 » * * * وأمّا الرجوع من الخطاب إلى الغيبة ، فكقوله تعالى : « هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ
--> ( 1 ) - يس 22 : 36 . ( 2 ) - يس 25 : 36 . ( 3 ) - الدخان 1 : 44 - 6 . ( 4 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 178 .