الشيخ محمد هادي معرفة

35

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إنّما يستعمل فيما كان متراخيا عنك . وأمّا « من وعن » فإنّهما يفترقان في مواضع ، كقولك : أخذت منه مالًا ، وأخذت عنه علما . فإذا قلت : سمعت منه كلاما أردت سماعه من فيه ، وإذا قلت : سمعت عنه حديثا كان ذلك عن بلاغ . وهذا على ظاهر الكلام وغالبه . وقد يتعارفان في مواضع من الكلام . وممّا يدخل في هذا الباب ما حدّثني محمَّد بن‌سعدويه عن ابن‌الجنيد عن ابن‌النضر عن مساور عن جعفر بن‌سليمان عن مالك بن‌دينار قال : جمعنا الحسن لعرض المصاحف ، أنا وأبا العالية الرياحي ونصر بن‌عاصم الليثي وعاصما الجحدري . فقال رجل : يا أبا العالية ، قول اللّه تعالى في كتابه « فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ » ، « 1 » ما هذا السهو ؟ قال : الذي لا يدري كم ينصرف ، عن شفع أو عن وتر . فقال الحسن : مه يا أبا العالية ، ليس هذا ، بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتّى تفوتهم . قال الحسن : ألا ترى قوله عزّوجلّ : « عَنْ صَلاتِهِمْ » . قلت : وإنّما أتى أبوالعالية في هذا حيث لم يفرّق بين حرف « عن » وحرف « في » فتنبّه له الحسن فقال : ألا ترى قوله « عَنْ صَلاتِهِمْ » . يؤيّد أنّ السهو الذي هو الغلط في العدد إنّما هو يعرض في الصلاة بعد ملابستها ، فلو كان هو المراد لقيل : في صلاتهم ساهون ، فلمّا قال : « عَنْ صَلاتِهِمْ » دلّ على أنّ المراد به الذهاب عن الوقت ، لأنّه سهو عن أصل الصلاة . ونظير هذا ما قاله القتبي « 2 » في قوله تعالى : « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » ، « 3 » زعم أنّه من قوله : عشوت إلى النار أعشو ، إذا نظرت إليها . فغلّطوه في ذلك وقالوا : إنّما معنى قوله « مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ الرحمن » ولم يفرّق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه . وهذا الباب عظيم الخطر ، وكثيرا ما يعرض فيه الغلط ، وقديما عنى به العربي الصريح ، فلم يعرف ( أي القتبي ) ترتيبه وتنزيله .

--> ( 1 ) - الماعون 4 : 107 و 5 . ( 2 ) - هو عبداللّه بن‌مسلم بن‌قتبية الدينوري ت 270 . ( 3 ) - الزخرف 36 : 43 .