الشيخ محمد هادي معرفة
341
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تتحيّر فيها الأفهام والأذهان ولا تكتنهها الأوهام هيّنة عليه ، هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه ، إلّا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل . قال : ولا ترى بابا في علم البيان أدقّ ولا أرقّ ولا ألطف من هذا الباب ، ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام اللّه تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء ، فإنّ أكثره وعليّته « 1 » تخييلات ، قد زلّت فيها الأقدام قديما . وما أتى الزالّون إلّا من قلّة عنايتهم بالبحث والتنقير ، حتى يعلموا أنّ في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدّروه حقّ قدره ، لما خفي عليهم أنّ العلوم كلّها مفتقرة إليه وعيال عليه . إذ لايحلّ عقدها الموربة ولايفكّ قيودها المكربة إلّا هو . وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثّة والوجوه الرثّة ، لأنّ من تأوّل ليس من هذا العلم في عير ولا نفير ، ولا يعرف قبيلًا منه من دبير . « 2 » * * * ومن أنواع البديع التي تشبه الكناية : الإرداف ، وهو أن يريد المتكلّم معنى فلايعبّر عنه بلفظه الموضوع له ، ولا بدلالة الإشارة ، بل بلفظ يرادفه ، كقوله تعالى : « وَقُضِيَ الْأَمْرُ » . « 3 » والأصل : وهلك من قضى اللّه هلاكه ، ونجا من قضى اللّه نجاته . وعدل عن لفظ ذلك إلى الإرداف ، لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أنّ هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع ، وقضاء من لايردّ قضاؤه ، والأمر يستلزم آمرا ، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره ، وأنّ الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر ، ولا يحصل ذلك كلّه من اللفظ الخاص . وكذا قوله : « وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ » . « 4 » حقيقة ذلك : جلستْ ، فعدل عن اللفظ الخاصّ بالمعنى إلى مرادفه ، لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لازَيغ فيه ولامَيل ، وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس .
--> ( 1 ) - أي معظمه . ( 2 ) - الكشاف ، ج 4 ، ص 142 - 143 . ( 3 ) - البقرة 210 : 2 . ( 4 ) - هود 44 : 11 .