الشيخ محمد هادي معرفة

313

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فيه من التشبيه والتمثيل ، وتكسوه جمالًا وروعة بما فيه من التصوير والتخييل . فكان الاستعارة في الكلام أناقة في التصوير ، وإجادة في التعبير . وقد حصر الشيخ عبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة ودلائل إعجاز البيان في فنون التشبيه والتمثيل وأنواع الاستعارة . « 1 » قال : قد أجمع الجميع على أنّ الكناية أبلغ من الإفصاح ، والتعريض أوقع من التصريح ، وأنّ للاستعارة مزيّة وفضلًا ، وأنّ المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة . قال : وأمّا الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزيّة والفخامة أنّك إذا قلت : رأيت أسدا ، كنت قد تلطّفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة ، حتى جعلتها كالشئ الذي يجب له الثبوت والحصول ، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده . وذلك أنّه إذا كان أسدا فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة ، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرّى عنها . وإذا صرّحت بالتشبيه فقلت : رأيت رجلًا كالأسد كنت قد أثبتّها إثبات الشيء يترجّح بين أن يكون وبين أن لا يكون ، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء . قال : وحكم التمثيل والاستعارة سواء ، فإنّك إذا قلت : أراك تقدّم رجلًا وتؤخّر أخرى ، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحيّر والتردّد ، كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر ، فتقول : قد جعلت تتردّد في أمرك . فأنت كمن يقول : أخرج ولا أخرج ، فيقدّم رجلًا ويؤخّر أخرى . « 2 » * * * قال جلال الدين السيوطي : التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها . واتّفق البلغاء على أنّ الاستعارة أبلغ منه ، لأنّ الاستعارة مجاز والتشبيه حقيقة ، والمجاز أبلغ . فإذا الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة . وكذا الكناية أبلغ من التصريح ، والاستعارة أبلغ من الكناية ، لأنّها كالجامعة بين كناية

--> ( 1 ) - فقد وضع كتابه « أسرار البلاغة » في ضروب التشبيه وأنواع الاستعارات فحسب . ( 2 ) - دلائل الإعجاز ، ص 48 و 50 .