الشيخ محمد هادي معرفة
311
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
المشبّه مطويّ الذكر . * * * وأمّا ابن رشيق فيرى كثرة الاستعارة في القرآن بأنواعها ، ممّا يزيده رونقا وجمالًا ، لا يوجد في غيره . منها قوله تعالى : « إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ » « 1 » فإنّها إمّا استعارة تبعية في قوله « طغى » ، استعير الطغيان ، وهو الخروج عن حدّ الاعتدال ، لفورة الماء وثورته . أو ترشيح ، باعتبار تشبيه الماء الفائر الذي يسطو على كلّ شيء ، بعاصٍ متمرّدٍ عاتٍ لايلوي على شيء ، وقد أضمر هذا التشبيه ، وطوى ذكر المشبّه به ، فكان ذكر الطغيان ترشيحا ، لأنّه من خواصّ المشبّه به . وكذا قوله تعالى : « وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ » « 2 » شبّهت ثورة غضب موسى عليه السلام بغوغاء إنسان وضوضائه . فكان هدوؤه سكوتا . أي فلمّا هدأت ثورة غضبه عليه السلام وهذا من الاستعارة المكنّى عنها مع الترشيح . وقوله تعالى : « سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ . تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ » « 3 » فقد شبّه لهيب جهنّم بثورة إنسان غائظ . قال الزمخشري : تشبيها لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق . وهي تفور ، تغلي بهم غليان المرجل بماحواه . وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدّة غليانها . يقال : فلان يتميّز غيظا ويتقصّف غضبا « 4 » أي يتقطّع فتطير منه شقّة إلى الأَرض وشقّة إلى السماء . وهذا غاية في وصف الغضب بالإفراط . « 5 » وقوله تعالى : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . « 6 » شبّهت الأَرض والسماء بأهل التميّز والعقل ، بالإقبال عليهما بالخطاب ، والتوجيه إليهما بالأمر والتكليف . واستعير غور الماء بالابتلاع ، كأنّ الأَرض تبتلع ماءها ، والسماء تقتلع إدرارها . والبلع عبارة عن النشف ، والإقلاع : الإمساك .
--> ( 1 ) - الحاقة 11 : 69 . ( 2 ) - الأعراف 154 : 7 . ( 3 ) - الملك 7 : 67 - 8 . ( 4 ) - التقصّف : صوت الرعد . ( 5 ) - العمدة ، ج 1 ، ص 275 ، باب 37 . ( 6 ) - هود 44 : 11 .