الشيخ محمد هادي معرفة
303
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وفي كلّ مثال من هذه يجتمع التجسيم - بإحالة المعنى جسما - مع التخييل بحركة هذا الجسم المفروضة . * ومن ذلك : « بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ » « 1 » و « أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا » « 2 » فبعد أن تصبح الخطيئة شيئا مادّيا تتحرك حركة الإحاطة . وبعد أن تصبح الفتنة لجّة يتحرّكون هم بالسقوط فيها . * ومنه : « وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ » . « 3 » « فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَر » . « 4 » ففي المثال الأول يصبح الحقّ والباطل مادّتين تستر إحداهما بالأخرى . وفي المثال الثاني يصبح ما امر به مادّة يشقّ بها ويصدع ، دلالة على القوّة والنفاذ . * ومنه : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » . « 5 » « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها » . « 6 » ففي المثال الأول يستحيل الهُدى والضلال نورا وظلمة ، ثمّ تبدأ عملية الإخراج المتخيّلة . وفي المثال الثاني يصبح الإيمان عروة ، ثمّ تبدأ الحركة المتخيّلة في الاستمساك بها . فتؤدّي هذه الصور المجسّمة المتحرّكة إلى تمثّل أوضح وأرسخ للمعنى الخيالي المجرّد . بهذه الطريقة المفضّلة في التعبير عن المعاني المجرّدة سار الأسلوب القرآني في أخصّ شأن يوجب فيه التجريد المطلق والتنزيه الكامل ، فقال : « يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ » . « 7 » « وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » . « 8 » « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » . « 9 » « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » . « 10 » « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ » . « 11 » « وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ
--> ( 1 ) - البقرة 81 : 2 . ( 2 ) - التوبة 49 : 9 . ( 3 ) - البقرة 42 : 2 . ( 4 ) - الحجر 94 : 15 . ( 5 ) - البقرة 257 : 2 . ( 6 ) - البقرة 256 : 2 . ( 7 ) - الفتح 10 : 48 . ( 8 ) - هود 7 : 11 . ( 9 ) - البقرة 255 : 2 . ( 10 ) - الأعراف 54 : 7 . ( 11 ) - فصّلت 11 : 41 .