الشيخ محمد هادي معرفة
301
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » . « 1 » أو « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ » . « 2 » أو « الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي » . « 3 » وكلّها تجسّم هذه الحواجز المعنوية ، كأنّما هي موانع حسّية ، لأنّها في هذه الصورة أوقع وأظهر . * * * وقد يكون الوصف حسّيا بطبيعته ، فيختار عن الوصف هيئة تجسّمه ، كقوله : « يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » « 4 » في مكان يأتيهم من كلّ جانب ، أو يحيط بهم . لأنّ هيئة الغشَيان من فوق ومن تحت أدخل في الحسّية من الوصف بالإحاطة . ومثله « إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ » « 5 » و « وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » . « 6 » ومن هذا النوع : « كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً » « 7 » فهذا السواد الذي أصاب وجوهَهم ليس لونا ولا صبغة ، وإنّما هو قطعة من الليل المظلم غشت وجوهَهم . ومن « التجسيم » وصف المعنوي بمحسوس ، كوصف العذاب بأنّه غليظ « وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ » « 8 » واليوم بأنّه ثقيل : « وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا » . « 9 » فيتنقّل العذاب من معنىً مجرّد إلى شيء ذي غلظ وسمك . وينتقل اليوم من زمن لايُمْسك إلى شيء ذي كثافة ووزن . وضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس ، كقوله : « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » « 10 » لبيان أنّ القلب الإنساني لايتّسع لاتّجاهين . ومثل : « وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ
--> ( 1 ) - يس 8 : 36 - 9 . ( 2 ) - البقرة 7 : 2 . ( 3 ) - الكهف 101 : 18 . ( 4 ) - العنكبوت 55 : 29 . ( 5 ) - الأحزاب 10 : 33 . ( 6 ) - المائدة 66 : 5 . ( 7 ) - يونس 27 : 10 . ( 8 ) - إبراهيم 17 : 14 . ( 9 ) - الإنسان 27 : 76 . ( 10 ) - الأحزاب 4 : 33 .