الشيخ محمد هادي معرفة

289

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الحاضري المشهد ، سواء بسواء . * ها هو ذا يتحدّث عن « الهزيمة » فيرسم لها مشهدا كاملًا تبرز فيه الحركات الظاهرة والانفعالات المضمرة ، وتلتقي فيه الصورة الحسيّة بالصورة النفسية ، وكأنّما الحادث معروف من جديد ، دون أن يغفل منه قليل أو كثير : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً . وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » . « 1 » فأيّة حركة نفسية أو حسّية من حركات الهزيمة ، وأيّة سمة ظاهرة أو مضمرة من سمات الموقف ، لم يبرزها هذا الشريط الدقيق المتحرّك ، المساوق في حركته لحركة الموقف كلّه ؟ هؤلاء هم الأعداء يأتون المؤمنين من كلّ مكان ، وهذه هي الأبصار زائغة والنفوس ضائقة ، وهؤلاء هم المؤمنون يزلزلون زلزالًا شديدا ، وهؤلاء هم المنافقون ينبعثون بالفتنة والتخذيل يقولون : « ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً » ويقولون لأهل المدينة : ارجعوا إلى بيوتكم فهي في خطر ، وهؤلاء هم جماعة من ضعّاف القلوب يقولون : إنّ بيوتنا مكشوفة ، وليست في حقيقتها كذلك « إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً » . وهكذا لاتفلت في الموقف حركة ولاسمة إلّا وهي مسجّلة ظاهرة ، كأنّها شاخصة حاضرة . تلك حادثة وقعت بالفعل ، ولكن صورتها ترسم « الهزيمة » مطلقة من كلّ ملابسة ، وما يزيد عليها أو ينقص منها إلّا جزئيات في الوقائع ! أمّا الصورة النفسية فخالدة تتكرّر في كلّ زمان ، حيثما التقى جمعان ، وتعرّض أحدهما للخذلان .

--> ( 1 ) - الأحزاب 9 : 33 - 13 .