الشيخ محمد هادي معرفة

272

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

التصوير الفنّي في القرآن التصوير - وهو تجسيد المعاني - هي الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن . فهو يعبّر بالصورة المتمثّلة عن معنى ذهني أو حالة نفسية ، أو عن حوادث غابرة أو مشاهد آتية ، أو عن نموذج إنساني وغرائزه وتصرّفاته في هذه الحياة . فكأنّما هي صورة شاخصة ، وهيئة مشهودة . ثمّ يترقى بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة ويفيض عليها الحركة . فإذا ما أضاف إليها الحُوار فقد استوت لها كلّ عناصر التجسيد . فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نُظارة ، وحتى ينقلهم نقلًا إلى مسرح الحوادث فيشرفهم عليها ، حيث تتوالى المناظر وتتجدّد الحركات . . . وحتى ينسى المستمع أنّ هذا كلامٌ يُتلى أو مثلٌ يُضرب ، وإنّما يتخيّل أنّه حاضر المشهد بمرأى منه ومسمع ، ومن ثمّ ترتسم في نفسه سمات الانفعال بشتّى الوجدانات المنبعثة من مشاهدة المنظر ، المتساوقة مع الحوادث . نعم إنّها الحياة هنا ، وليست حكاية حياة . فإذا كانت الألفاظ - وهي كلمات جامدة وتعابير هامدة ، وليست بألوان تصوير وأرياش تحبير - هي التي تصوّر من المعنى الذهني نموذجا إنسانيّا ، ومن الحادث المرويّ أو الحالة النفسية لوحة مشهودة أو منظرا مشهودا ، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في تعبير القرآن . « 1 » قال السيد رشيد رضا : وهذا النوع من التشبيه - وهو إبراز المعاني في صورة التمثيل - نادر فذّ بديع ، ويقلّ في كلام البلغاء ، لكنّه كثير وافر في القرآن العزيز . « 2 » * * * وقلّما يوجد في سائر الكلام تشبيه غير معيب . وقد عقد ابن الأثير بابا ذكر فيه معايب التشبيه الواقع في كلام البلغاء ، لقصورهم عن الإحاطة بجوانب فنّ التصوير . هذا أبو تمام - الشاعر المفلّق - يريد أن يصف السخاء فيجسّده في صورة ذي حياة ، فيجعل له روثا وفرثا ممّا تأباه طبيعة السخاء المترفّع عن الأدناس . قال في قصيدة يمدح بها

--> ( 1 ) - سيد قطب في تصويره الفني ، ص 29 ، له بقية كلام هنا رائعة سوف ننقلها . ( 2 ) - هامش أسرار البلاغة ، ص 92 .