الشيخ محمد هادي معرفة
26
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وطلاقته كافيا لهذا الشأن ، ولا كلّ من أوتي حظّا من بديهة وعارضة كان ناهضا بحمله ومضطلعا بعبئه مالم يجمع إليها سائر الشرائط التي ذكرناها على الوجه الذي حدّدناه . . . وأنّى لهم ذلك ومن لهم به ؟ و « لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » . « 1 » وقد تقدّم كلام ابن عطية في متابعته للخطّابي في الاختيار ، قال : ووجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما ، وأحاط بالكلام كلّه علما ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأُولى ، ويتبيّن المعنى دون المعنى ، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره . والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم بالضرورة أنّ أحدا من البشر لا يحيط بذلك ، وبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة . قال : وكتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة ، ثمّ أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد . . . « 2 » * * * وللأُستاذ درّاز تمثيل رائع بشأن روعة نظم القرآن وفخامة أسلوبه ، شبّه ألفاظ اللغة والكلم الموضوعة بالمواد الأوّلية اللازمة للبناء ، فلا تختلف البنايات في أصل المواد ، ولا كانت الموادّ ممّا ابتدعه المهندسون ، لا وإنّما التفاوت هو تفاوت الأذواق ومقدار المعرفة بانتخاب أصلح المواد وأتقن الآلات والأدوات . إنّها هندسة البناء يخلقها قرائح البنّائين ويبتدعها المهندسون . قال : إنّ مثل صنعة البيان لمثل صنعة البنيان ، فالمهندسون البنّاؤون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض ، ولا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامّة ، ولايعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانا مرفوعة ، وسقفا موضوعة ، وأبوابا مشرعة ، ولكنّهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأبقاها على الدهر ، وأكنّها للنّاس من الحرّ
--> ( 1 ) - الإسراء 88 : 17 . راجع : إعجاز القرآن ، ص 21 - 37 ، وقد تقدّم نقل كلامه بتفصيل في الجزء الرابع من التمهيد ، عند عرض الآراء والنظرات في دراسات السابقين . ( 2 ) - مقدّمة تفسيره ، ص 278 ؛ وراجع : البرهان للزركشي ، ج 2 ، ص 97 .