الشيخ محمد هادي معرفة
243
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وفي كلام العرب شواهد على الرمز بالحروف ، وليس بالأمر الغريب . قال الشاعر : « 1 » قلنا لها : قفي لنا ، قالت : قاف * لاتحسبي أنّا نسينا الإيجاب فقد أرادت بقولها : قاف « قد وقفت » فأشارت إليه رمزا بإظهار حرف القاف كناية عن تمام الكلمة . وكذا رمزوا عن النحاس بحرف « ص » ، وعن النقد بحرف « ع » ، وعن السحاب بحرف « غ » . وهكذا سمّوا بالحروف أشياء ، منها جبل قاف ، والحوت نونا . وقد يسمّون الإعلام بها أيضا ، كما سمّوا والدا حارثة « لام » فقالوا : حارثة بن لام . وممّا يشهد لذلك أيضا نقصهم الكلمة حروفا ليكون الباقي دلالة عليه ، كما في الترخيم ، في مثل « ياحار » بحذف « الثاء » . و « يامال » بحذف « الكاف » . وكقول راجزهم : « 2 » ماللظليم عال كيف لا ، يا * ينقد عنه جلده إذا ، يا وأراد بالياء ياء المضارعة ، رمزا إلى قوله : يفعل . أي « لا يفعل » و « إذا يفعل » . وقال الآخر : بالخير خيرا « ت » وإن شرّا « فا » * ولا أريد الشرّ إلّا أن « تا » فالتاء إشارة إلى قوله « تشاء » وبالفاء فاء الجزاء . والمعنى : بالخير خيرا تشاء وإن شرّا فشرّا * ولا أريد الشرّ إلّا أن تشاء قال أبو جعفر محمَّد بنجرير الطبري ( ت 310 ) : والشواهد على ذلك كثيرة يطول باستيعابها الكتاب . « 3 » ما قيل في حلّ تلك الرموز قيل : إنّها بحساب الأبجد . وأوّل من تنبّه لذلك يهود المدينة ، على حياته صلى الله عليه وآله وذلك لمّا نزلت السورة الكبرى « البقرة » بالمدينة مفتتحة بقوله تعالى : « ألم » جاءت جماعة من
--> ( 1 ) - في تفسير الخازن ج 1 ، ص 23 نسبه إلى الراجز . ( 2 ) - هو الأغلب بن عمرو العجلي من الشعراء المخضرمين المعمّرين . مات في وقعة نهاوند في جملة من توجّه من الكوفة مع سعد سنة 21 . وهو أول من رجز الأراجيز الطوال . ومن ثمّ سمّي بالراجز . ( 3 ) - جامع البيان ، ج 1 ، ص 70 .