الشيخ محمد هادي معرفة
209
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وعن ابن عباس : من جحد حكم اللّه كفر ، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالم فاسق . « 1 » وعن بعضهم : الأوّل في الجاحد ، والأخيران في المقرّ التارك . « 2 » وهذا يتوافق مع مافصّلناه نظرا لأنّ القاضي بغير ما أنزل اللّه ، والعامل على خلاف ما أنزل اللّه ، كلاهما ظالمٌ وفاسق ، لأنّه ترك العمل بالشريعة مع إقراره بها . * وقوله تعالى - في سورة الأنعام - : « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ . . . » وجعل يعدّد المحرّمات ، وختمها بقوله : « ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » . . . ثمّ ذكر بقيّة المحرّمات وختمها بقوله : « ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » . . . وأخيرا خُتمت الآية بقوله : « ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . « 3 » قال جلالالدين السيوطي : لأنّ الوصايا التي في الآية الأولى إنّما يحمل على تركها عدم العقل الغالب على الهوى ، لأنّه الشرك باللّه ، وعقوق الوالدين ، وقتل الأولاد خشية الإملاق ، ومقاربة الفواحش مطلقا ، وقتل النفس المحترمة . وأمّا الثانية فلتعلّقها بالحقوق المالية والعدل في الكلام ، والوفاء بالعهد ، فَمن أحبّ أن يُوفى له فليفِ بما عليه ، فناسبه التذكّر والتنبيه . والثالثة كانت أمرا باتّباع الصراط السويّ في الحياة ، فناسبه التقوى والاجتناب عن التنكّب في الطريق . * * * * ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام أيضا : « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ . . . » وختمها بقوله : « قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » . وختم تاليتها بقوله : « قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ » . وختم الثالثة بقوله : « إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . « 4 » وذلك لأنّ حساب النجوم والاهتداء بها يختصّ بالعلماء ، وإنشاء الخلائق من نفس واحدة يحتاج إلى فكر وفهم أدقّ . أمّا ذكر النعم الظاهرة فباعث إلى الإيمان بصورة عامّة . « 5 »
--> ( 1 ) - الكشاف ، ج 1 ، ص 638 . ( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 12 ، ص 10 . ( 3 ) - الأنعام 151 : 6 - 153 . ( 4 ) - الأنعام 97 : 6 - 99 . ( 5 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 42 - 43 .