الشيخ محمد هادي معرفة
205
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
مصالحكم حسب حاجاتكم وتأمين معايشكم ، فناسبه الختم بالعلم بشؤون الخليقة والإحاطة بمصالحهم . أمّا في آية آل عمران فكان السياق سياق وعيد وتحذير ، والنهي عن اتخاذ الكافرين أولياء « وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » . فناسبه الختم بالقدرة ، وإنّ اللّه على كلّ شيءٍ - ومنه جزاء المعتدي - قدير . * وقوله تعالى : « تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » . « 1 » فلا تناسب ظاهرا بين تسبيح الأشياء والختم بالحلم والمغفرة . لكن السياق كان عرضا مسهبا عن سيّئات أعمال كانت تقوم به عرب الجاهلية « كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً » . « 2 » فلغرض تحريضهم على التوبة عنها والرجوع إلى شريعة اللّه المقدّسة عقّبها بالحديث عن تسبيح ما في هذا الكون ، فليكونوا كغيرهم من سائر الخلائق . فناسبه الختم بالحلم عمّا فعلوه في حينه ، والغفران عمّا ارتكبوه إذا رجعوا وأنابوا . نكت وظرف قال الإمام بدرالدين الزركشي : من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين أو أكثر ، والآية واحدة مكرّرة ، لنكتة لطيفة . * من ذلك قوله تعالى : « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ » . « 3 » وقوله : « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » . « 4 » والسؤال هو : ما الحكمة في تخصيص آية النحل بوصف المُنعِم ، وآية إبراهيم بوصف المُنعَم عليه ؟
--> ( 1 ) - الإسراء 44 : 17 . ( 2 ) - الإسراء 38 : 17 . ( 3 ) - إبراهيم 34 : 14 . ( 4 ) - النحل 18 : 16 .