الشيخ محمد هادي معرفة

203

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

المعنى بدونها . مأخوذ من أوغل في البلاد : إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها « 1 » وهو بمنزلة التأكيد المبالغ فيه . * كقوله تعالى : « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ » . « 2 » فقد تمّ الكلام عند قوله : « فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ » لكنّه أوغل في تفضيع حالتهم ، وأفاد زيادة المبالغة في ضلالتهم ، حيث كان عدم الاسترباح مستندا إلى عدم اهتدائهم إلى طرق التجارة ، ومن ثمّ استبدلوا بالخير شرّا وبالصلاح فسادا . * وقوله تعالى : « قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ » . « 3 » حيث قد تمّ المعنى بدون « وَهُمْ مُهْتَدُونَ » إذ الرسل مهتدون لا محالة . لكنّه إيغالٌ أفاد زيادة الحثّ على الاتّباع والترغيب في الرسل . وأنّ متابعتهم لاتستدعي خسرانا أبدا . * وقوله تعالى : « أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » . « 4 » قال الزركشي : قد تمّ الكلام بدون قوله : « لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » ، غير أنّ رعاية الفواصل أفادت زيادة معنى ، هو : أنّ أهل اليقين هم الذين يُدركون محاسن أحكامه تعالى ، إذ لا يحجب أبصارهم ستارُ الجاهلية والعناد . * وقوله تعالى : « وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ » . « 5 » فقد تمّ المقصود بدون « إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ » لولا أنّه أفاد المبالغة في عدم إمكان الإسماع ، لأنّ الأصمّ إذا ولّى مدبرا كان أبلغ في تغافله وإعراضه عن الانصياع للدعوة . فواصل خفيَ وجهُ تناسبها * من ذلك قوله تعالى : « قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ » . « 6 »

--> ( 1 ) - أنوار الربيع ، ج 5 ، ص 333 . ( 2 ) - البقرة 16 : 2 . ( 3 ) - يس 20 : 36 - 21 . ( 4 ) - المائدة 50 : 5 . ( 5 ) - النمل 80 : 27 . ( 6 ) - هود 87 : 11 .