الشيخ محمد هادي معرفة

200

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بالأبصار وأنّه هو الذي يحيط بالأبصار ، فكان كدعوى مقرونة بشاهد دليل . * وقوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ » . « 1 » خَتم الآية الأولى بقوله : « لَطِيفٌ خَبِيرٌ » ، لأنّ « لَطُف » هنا من « اللُّطف » بمعنى الرفق والرأفة ، بخلافه هناك ، كان من « اللّطافة » بمعنى الدقّة ضدّ الضخامة والكثافة ، فلمّا كان الكلام في إنزال الماء من السماء وإنبات الأَرض . . . وهو السبب الأول لإمكان المعيشة على الأَرض ، فناسبه الإشارة بجانب لُطفِه تعالى بعباده ، إلى جنب علمه المحيط بمواضع فقرهم وحوائجهم في الحياة . وختم الثانية بقوله : « لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » تنبيها على أنّه تعالى في غنىً عن ملك السماوات والأَرض وأنّه يَجلُّ شأنه ويعزّ جانبه من أن يعتزّ بملك ، ولو كان المملوك عوالم الملكوت فهو أعزّ شأنا وأرفع جانبا من الاعتزاز بهكذا أمور ، هي صغيرة في جنب عظمة ذاته تعالى وفخامة جانبه المرتفع إليه كلُّ ثناء ومحمدة في عالم الوجود . وختم الثالثة بقوله : « لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ » لأنّه ذكر جَعل الأَرض وما فيها ، والبحر وما عليها في خدمة الإنسان . وأمسك بقذائف السماء أن تهدم الحياة على الأَرض . . . فهذا كلّه ناشىء عن رأفته تعالى بعباده ورحمته عليهم . * وقوله تعالى : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » . « 2 » ختمت الآية الأولى بقوله : « أَ فَلا تَسْمَعُونَ » لأنّه المناسب لذكر الليل السرمد ، وهي الظلمة المطبقة ، لاموضع فيها لحسّ البصر ، سوى حسّ السمع يسمع حسيسها .

--> ( 1 ) - الحج 63 : 22 - 65 . ( 2 ) - القصص 71 : 28 - 72 .