الشيخ محمد هادي معرفة
194
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ولسيّد قطب محاولة موفّقة - إلى حدّما - في سبيل الإحاطة بما تشتمل عليه كلّ سورة من أهداف . يقدّم فكرة عامّة عن السورة بين يدي تفسيرها ، وبيانا إجماليا عن مقاصد السورة قبل الورود في التفصيل ، ممّا يدلّ على تسلسل طبيعي في كلّ سورة تنتقل خلاله من غرض إلى غرض حتى تنتهي إلى تمام المقصود ، تناسقا معنويا رتيبا ، تنبّه له المتأخرون في كلّ سورة بالذات . ولم يزل العمل مستمرّا في البلوغ إلى هذا الهدف البلاغي البديع في جميع السور ، لكن يجب التريّث دون التسرّع ، ونحن في بداية المرحلة ، فلا يكون هناك تكلّف أو تمحّل لا ضرورة إليه . وقال الأستاذ المدني : إنّ في كلّ سورة من سور القرآن الكريم روحا تسري في آياتها ، وتسيطر على مبادئها وأحكامها وتوجيهاتها وأسلوبها . قال : ومن الواضح أنّ سور القرآن - مع كون كلّ واحدة منها ذات طابع خاص ، وروح تسري في نواحيها - لا يمكن أن تعدّ فصولًا أو أبوابا مقسَّمة منسّقة على نمط التآليف التي يؤلّفها الناس . ومن أراد أن يفهمها على ذلك أو أن يفسّرها على ذلك فإنّه يكون متكلّفا مشتطا ، محاولًا أن يخرج بالقرآن عن أسلوبه الخاص ، الذي هو التنقّل والمراوحة والتجوّل ، وبثّ العظة في تضاعيف القول ، والوقوف عند العبرة لتجليتها ، والتوجّه إلى مغزاها ، وانتهاز الفرصة أينما واتت ، لدعم العقيدة السليمة والمبادئ القويمة . إنّ هناك فرقا بين من يحاول أن يفعل ذلك ، ومن يحاول أن يجعل القارئ يلمح الروح الساري والبيئة المعنوية الخاصّة التي تجول فيها السورة دون أن يخرج التنزيل الحكيم عن سنّته وأسلوبه الذي انفرد به ، وكان من أهمّ نواحي الإعجاز فيه . . . وهذه الطريقة في الدارسة القرآنية أجدى على الناس من تتبّع الآيات آية بعد آية ، فإنّ ذلك لا يعطي المنظر العام ، ولايساعد على تصوّر عظمة الصورة مجتمعة الملامح ، منضمّة التقاسيم ، كاملة الوضع . « 1 » وبعد فإليك نماذج من محاولات بُذلت للحصول على تلك الوحدات الموضوعية
--> ( 1 ) - المجتمع الإسلامي كما تنظّمه سورة النساء لمحمَّد محمَّد المدني ، ص 5 - 7 أهداف كلّ سورة ، ص 7 .