الشيخ محمد هادي معرفة

176

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إلى نهايتها . * وتتلو حكاية قول هود : « أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ » . « 1 » فتحسّ أنّ كلمة « أَ نُلْزِمُكُمُوها » تصوّر جوّ الإكراه ، بإدماج كلّ هذه الضمائر في النطق ، وشدّ بعضها إلى بعض ، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ، ويشدّون إليه وهم منه نافرون . قال سيد قطب : وهكذا يبدو لَونٌ من التناسق - تناسق جرس اللفظ مع نوعيّة المعنى - أعلى من البلاغة الظاهرية ، وأرفع من الفصاحة اللفظية ، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن أعظم مزايا القرآن . « 2 » * انظر إلى هذا التشبيه البديع : « وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ » « 3 » اللفظ يصوّر السقوط المرير « خَرَّ مِنَ السَّماءِ » صوت تقطع الأنفاس وحبسها في البلعوم من هول هذا السقوط المفاجىء . ثمّ ماذا بعد ؟ « تخطفه الطَّيْرُ » لفوره فيقع فريستها « أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ » متقطّع الأشلاء ، فلا يهتدي إليه أحد . هكذا وبهذه السرعة الخاطفة يطوى مسرح حياة المشرك باللّه ، وبهذه الخاتمة الأليمة . « 4 » « عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ » « 5 » هذه الكلمة « عتلّ » في مادّتها وهيأتها ( ع : مجهورة مستعلية . تاء : مهموسة شديدة . ل : مجهورة منذلقة ) بضمّتين متعاقبتين وتشديد اللام الأخيرة ، تمثّل الغلظة الجافية والانهماك في الشهوات وملاذّ الحياة السفلى ، قبل أن تدلّ عليه الكلمة من المعنى الوضعيّ اللغوي : الأكول ، الجافي ، الغليظ . تلك لفظة دلّت أجراسها على معناها قبل أن تدلّ أوضاعها . ومن ثمّ فقد تعقّبها مايناسبها « زنيم » : اللئيم ، الدعيّ ، الذي لا يبالي بما قال ولابما قيل فيه .

--> ( 1 ) - هود 28 : 11 . ( 2 ) - التصوير الفنّي ، ص 72 . ( 3 ) - الحج 31 : 22 . ( 4 ) - التصوير الفنّي ، ص 103 . ( 5 ) - القلم 13 : 68 .