الشيخ محمد هادي معرفة

166

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والتشويق إلى دار القرار ، ووصف نِعم اللّه الملك الجبّار ، وذكر العبادات والترغيب في الخيرات والزهد في الفانيات ونحو ذلك ، كما أشير إليه في حديث الفقيه : فَذَكَّرتْك الجنّة . قال : وذلك لأنّ هذه كلّها ذكر اللّه تعالى ، وربما « تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » . « 1 » وبالجملة ، لا يخفى على ذوي الحجى - بعد سماع هذه الأخبار - تمييز حقّ الغناء من باطله ، وأنّ أكثر مايتغنّى به المتصوّفة في محافلهم من قبيل الباطل . « 2 » وقال - في موسوعته الفقهية « مفاتيح الشرائع » - : الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة في الغناء ، ويقتضيه التوفيق بينها ، اختصاص حرمته بما كان متعارفا ذلك العهد من دخول الرجال على النساء الأجنبيات والاستماع لأصواتهنّ ، وتكلّمهنّ بالأباطيل . وبالجملة ، ما اشتمل على فعل محرَّم دون ما سوى ذلك . « 3 » قال الشيخ أبو الحسن الشعراني - في هامش الوافي - : الذي يظهر لنا من تتّبع كلام العرب وأهل الأدب أنّ الغناء اسم لمطلق الصوت إذا كان فيه مدّ وترجيع ، سواء أطرب أم لا . قال الشاعر في حمامة : إذا هي غنَّت أَبهَت النّاس حُسْنها * وأطرق إجلالًا لها كلُّ حاذق فلا يمكن أن يقال : إنّ كلّ صوت كان ذا تأثير فهو محرّم ، ولا أنّ كلّ صوت حَسَن بتركيب نغماته - بحيث يميل إليه الطبع - حرام . لما ورد في قراءة السجّاد عليه السلام كانت ذات تأثير بالغ . وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يُقرأ القرآن بصوت حَسَن والتغنّي فيه . وقد رُخّص في الحداء مع أنّه مركّب من نَغَمات صوتية مؤثّرة ، وصدق التغنّي والغناء على جميع ذلك بلا ريب . قال : فلابدّ إمّا من الذهاب مذهب الشيخ في الاستبصار بحمل أخبار المنع على ملابساته لاعلى نفسه ، أو تختصّ الحرمة بنوع منه ، وهو ما يُثير إلى الفحشاء وارتكاب

--> ( 1 ) - الزمر 23 : 39 . ( 2 ) - الوافي ، ج 3 ، م 10 ، ص 35 ، باب كسب المغنية . ( 3 ) - مفاتيح الشرائع ، ج 2 ، ص 21 ، مفتاح 465 مع تلخيص .