الشيخ محمد هادي معرفة
15
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
واقعة كربلاء الرابعة ثمّ الخامسة بجزيرة « بُوارين - شَلَمْچة » التي التحق بها شهيدنا عن سابقة تدريب واستعداد للجهاد . . وقد كان الموقف حرجا آنذاك ، ومن ثمّ ترك مواصلة دروسه الحوزويّة في بحبوحة نشاطها المتداوم ، لمّا أن أحسّ بغربة الإسلام واستنجاده بأبنائه الغيارى تجاه هجمات العدوّ اللدود . وعندما استجازني - وكانت إجازتي على الفور - ذكّرته التروّي في الأمر ريثما يكون ذهابه إلى الجهاد عن فكر ورويّة وانتداب حرٍّ لا يشوبه كدر الهوسات لا سيّما وهو جاهد في تحصيل العلوم الإسلامية الذي لا يقلّ عزّة عن عزّة القتال في سبيل اللّه ، وقد كنت آمل في وجوده ، وبفضل نبوغه ، تصاعدا في مدارج الكمال العلمي الفائق . . لكنّه رغم ذلك كلّه رجّح نصرة الدين من هذا السبيل لضرورة الموقف ، وقال إنّي ذاهب إلى ربّي سيهدين . . فباركته على رأيه وعلى اختياره الذي كان عن بصيرة وفكر واستعداد . . وقد كان حينما ذهب إلى الجهاد قد بلغ مرتبة سامية من العلوم الإسلامية ، من جملتها علوم القرآن التي كنت أُباشر تدريسها في الحوزة ، وكان يشترك في محاضراتي عن استعداد وأهليّة كنت أُباهي به وأرجو له الكمال البالغ . . الأمر الذي دعا بي أن أهدي إلى روحه الطيّبة هذه البقيّة من موسوعتي في علوم القرآن وأرجو من اللّه أن يجعلها موضع ترويح لخاطره العاطر تحت ظلّه الوارف بفضله وكرمه . . . وينبؤك عن كماله النفسي وعرفانه البالغ بمواضع الإسلام في الحركة والجهاد ، تلك وصيّته المباركة وقد كتبها ليلة ذهابه إلى جبهة القتال . . ( 4 / ج 1 / 1407 ق / 15 / 10 / 1365 ش ) جاء فيها - بعد البسملة - : . . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ . أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ . فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . « 1 » قال علي عليه السلام : إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه ، وهو لباس
--> ( 1 ) - التوبة 38 : 9 - 39 .