الشيخ محمد هادي معرفة
62
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أمّا في ضوء برهان العقل فإنّها تبقى غامضة أبدا . قال الشعراني : « إعلم يا أخي أنّ هذه المسألة من أدقّ مسائل الأصول وأغمضها ، ولا يزيل إشكالها إلّا الكشف الصوفي ، أمّا أرباب العقول من الفرق فهم تائهون في إدراكها ، وآراؤهم فيها مضطربة . إذ كان أبو الحسن الأشعري يقول : ليس للقدرة الحادثة ( يعني قدرة العبد ) أثر ، وإنّما تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير . وقد اعترض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها وعدمها سواء ، فإنّ قدرة لا يقع بها المقدور بمثابة العجز . ولقوّة هذا الاعتراض لجأ بعض أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر ، ومال آخرون إلى أنّ لها تأثيرا ما ، وهو اختيار الباقلاني ، لكنّه لمّا سئل عن كيفية هذا التأثير ، في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال ، لم يحر جوابا ، وقال : إنّا نلتزم بالكسب لأنّه ثابت بالدليل ، غير أنّي لا يمكنني الإفصاح عنه بعبارة . وتمثّل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر : إذا لم يكن إلّا الأسنّة مركب * فلا رأي للمضطرّ إلّا ركوبها قال الشعراني : وملخّص الأمر : أنّ من زعم أن لا عمل للعبد فقد عاند ، ومن زعم أنّه مستبدّ بالعمل فقد أشرك ، فلابدّ أنّه مضطرّ على الاختيار . أمّا الكشف الصوفي فقد جاء في كلام الشيخ محييالدين ابنالعربي - في الفتوحات المكية باب 22 - : أنّ صورة مسألة خلق الأفعال صورة « لا » من حروف الهجاء فإنّ الرائي لا يدري أيّ الفخذين هو اللام حتى يكون الآخر هو الألف ، ومن ثمّ يسمّى هذا الحرف حرف الالتباس . وهكذا لم يتخلّص الفعل الظاهر على يد المخلوق لمن هو ؟ ولكن إن قلت : هو للّه ، صدقت . وإن قلت للمخلوق مع اللّه ، صدقت . ولولا ذلك لما صحّ التكليف ولا إضافة العمل إليه بنحو قوله : « اعملوا » . وقال - في باب 422 - : إنّما أضاف تعالى الأعمال إلينا ، لأنّنا محلّ الثواب والعقاب ، وهي للّه حقيقة . ولكن لمّا شهدنا الأعمال بارزة على أيدينا وادّعيناها لنا ، أضافها تعالى إلينا بحسب دعوانا ، ابتلاء منه لأجل الدعوى . ثمّ إذا كشف اللّه تعالى عن بصيرتنا ، رأينا