الشيخ محمد هادي معرفة

53

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وصدر في بغداد كتاب آخر سمّي « الاعتقاد القادري » ، وذلك في 17 المحرم سنة 409 وقرئ في الدواوين ، وكتب الفقهاء فيه : « إنّ هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر » جاء في الكتاب : « وهو القادر بقدرة ، والعالم بعلم ، أزلي غير مستفاد ، وهو السميع بسمع ، والمبصر ببصر ، متكلّم بكلام ، لا يوصف إلّا بما وصف بها نبيُّه صلى الله عليه وآله ، وكلّ صفة وصف بها نفسه ، أو وصفه بها رسوله ، فهي صفة حقيقية لا مجازية ، وأنّ كلام اللّه غير مخلوق ، تكلّم به تكليما ، فهو غير مخلوق بكلّ حال ، متلوّا ومحفوظا ومكتوبا ومسموعا ، ومن قال : إنّه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر ، حلال الدم بعد الاستتابة منه . . . » . « 1 » وبهذه المهزلة الحمقانية انتهت سيطرة العقل على أُصول العقائد ، ليخلفها تقليد مبتذل أعمى ، فلم يعد لبرهان التحقيق والنظر في أُصول العقيدة الإسلامية مجال ، وأصبح الدين في أعرق أُسسه فاقدا لبرهان العقل . هكذا أطاحوا بمعالم الإسلام وشوّهوا من سمعته المجيدة ، إلى مظاهر شكلية جوفاء . « 2 » وإليك من آراء الأشعري ماصريح لفظه : * * * قال أبو الحسن الأشعري : « قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها : التمسك بكتاب ربّنا وبسنّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث ، وبما يقول به أحمد بن‌محمد بن‌حنبل قائلون ، ولما خالف قوله مخالفون . . .

--> ( 1 ) - المنتظم ، ص 195 ب - 196 أ . راجع : الحضارة الإسلامية ، ج 1 ، ص 381 - 382 ؛ والبداية والنهاية لابن‌كثير ، ج 12 ، ص 6 - 7 ؛ وهامش الكامل في التاريخ ، ج 7 ، ص 299 - 300 . ( 2 ) - قال الدكتور أحمد أمين : « وفي رأيي ، لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم ، لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي ، وقد أعجزهم التسليم ، وشلّهم الجبر ، وقعد بهم التواكل » معرضا بمذهب الأشعري السائد على عامّة المسلمين منذ العهد القادري حتى اليوم . راجع : ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 70 .