الشيخ محمد هادي معرفة

44

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

المقدّسة وصفاته الجمالية والجلالية . « 1 » كان أكثر السلف - ممّن لاعهد لهم بالعلوم العقلية ، ولاوقفوا على كنه حقائق الإسلام ، والتي كانت دقيقة للغاية ، ما عدا ظواهر ألفاظ كانوا يلوكونها من غير تعميق ، وبالتالي لم تكن لهم تلك المعرفة الدقيقة بشؤون الواجب تعالى وتفصيل صفاته الثبوتية والسلبية ، ولا تمييز صفات الذات عن صفات الفعل « 2 » وما إلى ذلك - كانوا إذا ماوجدوا من نعوته تعالى مذكورة في الكتاب أو في أقوال الرسول صلى الله عليه وآله أخذوا بظواهرها مستريحين بأنفسهم إلى ما يفهمون منها حسب ما أُوتوا من أفهام ساذجة بدائية ، لا يزيدون شيئا ولا ينقصون . لاشكّ أنّها كانت طريقة الوقف والاحتياط في الدين ، بالنسبة إلى من لم يرتفع مستواه عن مستوى العامّة بشيء . وبذلك قد سلموا عن كثير من شبهات اعترضت طرق الخلف ، ممّن ولجوا في مسائل عقلية غامضة ، وكان قد أعوزتهم الوسيلة النافذة ، التي كانت تؤهّلهم لسبر تلكم الأغوار . هذا أبو هريرة سئل عن المبدع الأوّل كيف وجد ؟ فلم يحر جوابا وجعل يضطرب من مفاجأة هكذا سؤال ! قال : وانّي لجالس ذات يوم ، إذ قال رجل من أهل العراق : يا أبا هريرة هذا « اللّه » خلقنا ، فمن خلق اللّه تبارك وتعالى ؟ قال أبو هريرة : « فوضعت إصبعي في اذني وصرخت : صدق اللّه ورسوله ، اللّه الواحد الأحد الصّمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد » . « 3 » إذ مسألة « وجود الواجب بالذات » « 4 » لم تكن ممّا يدركها أمثال أبيهريرة ذلك

--> ( 1 ) - تطلق « صفات الجمال » على « الصفات الثبوتية » التي ينعت بها ذاته المقدّسة ، ولا يجوز إخلاؤه تعالى عنها ولا اتصافه بأضدادها ، كالحياة والقدرة والعلم . وتطلق « صفات الجلال » على « الصفات السلبية » التي يتنزّه ذاته المقدّسة عن الاتصاف بها ، كالحدوث والجسمية والرؤية ونحوها . ( 2 ) - صفات الذات : صفات ثابتة قديمة لا يجوز إخلاء الذات عنها أبدا ، كالعلم والحياة والقدرة . وصفات الفعل ما يجوز إخلاء الذات عنها فيما لم تتعلّق إرادته تعالى بالإيجاد ، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة . ( 3 ) - راجع : رسالة الردّ على الجهمية ، ص 7 . ( 4 ) - ينقسم الموجود إلى « موجود بالذات » و « موجود بالغير » ، ونعني بالثاني ما يستمدّ في وجوده حدوثا وبقاءً من خارج ذاته ، اي يُوجِده غيره . وكلّ « ما بالغير » لابدّ أن ينتهي إلى « ما بالذات » لا محالة ، وهو منتهى سلسلة الموجودات . ومن ثمّ فالبارئ تعالى هو مبدأ هذه السلسلة ، فهو « موجود بالذات » لم يستمدّ في وجوده من خارج ذاته ، وإلّا لم تنته السلسلة . ويطلق عليه تعالى « واجب الوجود » ، كما يطلق على غيره - من سائر الموجودات جميعا - « ممكن الوجود » . فوجوده تعالى وجود كامل غنيّ بذاته لذاته ، وغيره محتاج فقير ، ومستمدّ منه تعالى وتقدّس .