الشيخ محمد هادي معرفة

33

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أوليس النبيّ صلى الله عليه وآله هو الذي أرجع امّته إلى القرآن إذا ما التبست عليهم الأُمور كقطع الليل المظلم « 1 » فبماذا يرجعون إذا التبس عليهم القرآن ذاته ؟ ! وأخيرا فإنّا لم نجد من علماء الامّة - منذ العهد الأوّل فإلى الآن - من توقّف في تفسير آية قرآنية بحجّة أنّها من المتشابهات لا يعلم تأويلها إلّا اللّه . وهذه كتب التفسير القديمة والحديثة طافحة بأقوال المفسّرين في جميع آي القرآن بصورة عامّة ، سوى أنّ أهل الظاهر يأخذون بظاهر المتشابه ، أمّا أهل التمحيص والنظر فيتعمّقون فيه ويستخرجون تأويله الصحيح ، حسبما يوافقه العقل والنقل الصريح . قال الشيخ أبو علي الطبرسي : « وممّا يؤيّد هذا القول - أي أنّ الراسخين يعلمون التأويل - أنّ الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن ، ولم نرهم توقّفوا على شيء منه لم يفسّروه بأن قالوا : هذا متشابه لا يعلمه إلّا اللّه » . « 2 » وقال الإمام بدرالدين الزركشي : « إنّ اللّه لم ينزل شيئا من القرآن إلّا لينتفع به عباده ، وليدلّ به على معنى أراده ، ولا يسوغ لأحد أن يقول : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله لم يعلم المتشابه . فإذا جاز أن يعرفه الرسول صلى الله عليه وآله مع قوله : « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ » جاز أن يعرفه الربّانيون من صحابته ، والمفسّرون من امّته . ألا ترى أنّ ابن‌عباس كان يقول : أنا من الرّاسخين في العلم . ولو لم يكن للراسخين في العلم حظّ من المتشابه إلّا أن يقولوا : « آمنّا » لم يكن لهم فضل على الجاهل ، لأنّ الكلّ قائلون ذلك . قال : ونحن لم نر المفسّرين إلى هذه الغاية توقّفوا عن شيء من القرآن ، فقالوا : هذا متشابه لا يعلم تأويله إلّا اللّه . بل أمرّوه على التفسير حتّى فسّروا الحروف المقطّعة » . « 3 » أمّا بالنظر إلى ذات الآية ، فلعلّ دلالتها على التشريك واضحة ، إذ من الضروري لزوم رعاية المناسبة القريبة بين عنوان « المسند إليه » وفحوى مدلول « المسند » ، وذلك فيما إذا تعنون المسند إليه بوصف خاصّ ، فإنّه يجب - حينذاك - من مراعاة ما بين هذه الصفة ،

--> ( 1 ) - راجع : الكافي ، ج 2 ، ص 599 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 410 . ( 3 ) - البرهان للزركشي ، ج 2 ، ص 72 - 73 .