الشيخ محمد هادي معرفة

29

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فالكلام لفظ له معنىً في القلب ، ويكتب ذلك اللفظ بالخطّ . فإذا عُرف الكلام وتُصوّر معناه في القلب وعُبّر عنه باللسان ، فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج ، وليس كلّ من عرف الأوّل عرف عين الثاني . مثال ذلك : أنّ أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمّد صلى الله عليه وآله وخبره ونعته . وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره . وتأويل ذلك هو نفس محمّد المبعوث ، فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام . وكذلك إذا عرف الإنسان الحج والمشاعر وفهم معنى ذلك ، ولا يعرف الأمكنة حتى يشاهدها ، فتكون تأويل ما عرفه أوّلًا . . . » . « 1 » وقد أشاد السيد محمد رشيد رضا من هذه النظرة التيميّة وأعجبته غاية الإعجاب ، بل وفضّلها على نظرة شيخه الإمام محمّد عبده ( ما يؤول إليه أمر الشيء ) ، « 2 » وحسبه منتهى التحقيق والعرفان ، والبيان الذي ليس وراءه بيان ، وأسهب في سرد كلامه . « 3 » وهكذا ذهب سيدنا العلّامة الطباطبائي قدس سره إلى أنّ التأويل ليس من مداليل الألفاظ ، وإنّما هو عين خارجية ، وهي الواقعية التي جاء الكلام اللفظي تعبيرا عنها . قال : الحق في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية ، من تشريع وموعظة وحكمة ، وأنّه موجود لجميع آي القرآن ، وليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ ، بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن تحيط بها شبكات الألفاظ . وأنّ وراء ما نقرأه ونتعقّله من القرآن ، أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثّل من المثال وليس من سنخ الألفاظ ولا المعاني ، وهو المعبّر عنه بالكتاب الحكيم ، وهذا بعينه هو التأويل ، ومن ثمّ لا يمسّه إلّا المطهّرون ، قال تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » . « 4 » وقال : « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » . « 5 » وقال : « إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا

--> ( 1 ) - راجع : تفسير سورة الإخلاص ، ص 103 . ورسالة الإكليل ، ص 18 . وهي مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ، ج 2 . وتفسير المنار ، ج 3 ، ص 195 . ( 2 ) - راجع : تفسير المنار ، ج 3 ، ص 167 ، ذيل الآية : 53 من سورة الأعراف . ( 3 ) - راجع : تفسير المنار ، ج 3 ، ص 172 - 196 . ( 4 ) - الواقعة 77 : 56 - 79 . ( 5 ) - البروج 21 : 85 - 22 .