الشيخ محمد هادي معرفة
26
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الظهر والبطن وهناك مصطلح آخر للتأويل ، يراد المعنى الثانويّ للآية ، المعبّر عنه بالبطن ، وراء معناه الأوّلي المعبّر عنه بالظهر . وهذا عام لسائر الآيات ، كما ورد في الحديث عن رسولاللّه صلى الله عليه وآله : « ما في القرآن آيةٌ إلّا ولها ظهرٌ وبطن » . وقد سُئل الإمام محمد بنعلي الباقر عليه السلام عن ذلك ، فقال : « ظهره تنزيله وبطنه تأويله . منه ما قد مضى ومنه ما لم يكن ، يجري كما تجري الشّمس والقمر » . « 1 » أي إنّ للآية دلالة بحسب ظاهرها اللفظي المستند إلى الوضع أو القرائن الحافّة ومنها أسباب النزول . وهو خاصّ بمن نزل فيهم لا شمول له . لكن وراء هذا المدلول الظاهري مفهوم عامّ ثابت أبدي شامل ، يعمّ كلّ الأزمان والأجيال . وهذا المعنى الثانويّ الكامن وراء ظاهر اللفظ هو المعنيّ المقصود من الآية ، والذي يشكّل رسالة القرآن في جميع آية الكريمة . قال الإمام الباقر عليه السلام : « ولو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ، ثُمَّ مات أُولئك القوم ماتت الآية ، لما بقي من القرآن شيء ! ولكن القرآن يجري أوّله على آخره ، ما دامت السماوات والأرض ولكلّ قوم آية يتلونها هم منها ، من خير أو شرّ » . « 2 » أي ليست الآية إذا نزلت بشأن قوم اختصّت بهم ، بحيث إذا ذهب القوم ذهبت الآية بفائدتها . بل هي تحمل معنى عامّا ساريا وجاريا مع العصور ، كلّما جاءت أقوام متشابهون بهم ، شملتهم أيضا في تبشير أو إنذار ، أو تخويف أو تكليف ! ومن ثَمَّ قال : « ظهر القرآن ، الذين نزل فيهم ، وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم » . « 3 » والقرآن في رسالته الخالدة إنّما هو باعتبار المفاهيم العامّة ، الخابئة وراء تعابيره التي هي بظاهرها خاصّة ، وإنّما يعرفها النابهون ممّن رسخوا في العلم وتعمّقوا في فهم معاني القرآن . خذ لذلك مثلًا قوله تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ
--> ( 1 ) - بصائر الدرجات للصفّار ، ص 196 ؛ وبحار الأنوار ، ج 92 ، ص 97 ، برقم 64 . ( 2 ) - تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 10 ، برقم 7 . ( 3 ) - المصدر ، ص 11 ؛ والبحار ، ج 92 ، ص 94 ، برقم 46 .