الشيخ محمد هادي معرفة

22

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

التفكير ، فيبقى القرآن كلّه محكما مع الأبد بسلام . « 1 » وهكذا قال الشيخ محمد عبده : « إنّ الأنبياء بعثوا إلى جميع أصناف النّاس من دان وشريف ، وعالم وجاهل ، وذكي وبليد . وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة يفهمها كلّ أحد ، ففيها من المعاني العالية ، والحكم الدقيقة مايفهمه الخاصّة ، ولو بطريق الكناية والتعريض ، ويؤمر العامّة بتفويض الأمر فيه إلى اللّه ، والوقوف عند حدّ المحكم ، فيكون لكلّ نصيبه على قدر استعداده » . « 2 » * * * وهناك عامل آخر كان ذا أثر بيّن في إيجاد التشابه في غالبية الآيات الكريمة ، إذ لم تكن متشابهة من ذي قبل ، وإنّما حدث التشابه فيها على أثر ظهور مذاهب جَدَلية ، بعد انقضاء القرن الأوّل الذي مضى بسلام ، إذ كانت العرب أوّل عهدها بنزول القرآن تستذوقه بمذاويقها البدائية الساذجة ، حلوا بديعا سهلًا بليغا . أمّا وبعد ما احتبكت وشائج الجدل بين أرباب المذاهب الكلامية ، منذ مطلع القرن الثاني ، فقد راج التشبّث بظواهر آيات تحريفا بمواضع الكلم ، ومن ثمّ غمّها نوع من الإبهام والغموض الاصطناعيّين ، وأخذت كلّ طائفة تتشبّث بما يروقها من آيات ، لغرض تأويلها إلى ما تدعم به طريقتها في اختيار المذهب ! . ولا ريب أنّ القرآن حمّال ذو وجوه - كما قال أمير المؤمنين عليه السلام - لأنّه كما ذكرنا يعتمد في أكثر تعابيره البلاغية على أنواع من المجاز والاستعارة والتشبيه ، فأكسبه ذلك خاصية قبول الانعطاف في غالبية آياته الكريمة ، ومن ثمّ نهى الإمام عليه السلام عن الاحتجاج بالقرآن تجاه أهل البدع والأهواء ، لأنّهم يعمدون إلى تأويله بلا هوادة . قال عليه السلام لابن عباس لمّا بعثه للاحتجاج على الخوارج : « لا تخاصمهم بالقرآن ، فإنّ القرآن حمّال ذو

--> ( 1 ) - الميزان في تفسير القرآن ، ج 3 ، ص 58 - 62 بتلخيص واختزال . ( 2 ) - تفسير المنار ، ج 3 ، ص 170 . وهو ثالث وجوه ذكرها بهذا الصدد .