الشيخ محمد هادي معرفة
166
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
هذا الكلام عند حذف المتعلّق . . . أمّا إرادته تعالى المتعلّقة ببعض أفعال العباد ، فهي إرادة تشريعية قد تتخلّف عن المراد على ما سبق البحث عن ذلك إجماليا . « 1 » 14 - وقوله : « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ( كجدب وآفة ) وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ ( كمرض وعاهة ) إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها » . « 2 » إشارة إلى مسألة القضاء والقدر ، التي ليست سوى علمه تعالى بما سيحدث وعلى الصفة التي تحدث في علمه القديم . من غير أن يكون علمه تعالى علّة لتكوين المعلوم ، حيث لا شأن للعلم أن يكون مؤثّرا في تحقّق المعلوم ، سواء تعلّق به قبل حدوثه أم بعده أم مقارنا له . وسنبحث عن هذه المسألة في فصل قادم ، إن شاء اللّه . 15 - وقوله : « وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ » « 3 » لا يعني تكلّماتهم فيما ينطقون ، وإنّما عنى اختلاف لهجاتهم ، وإقدارهم على النطق بمختلف اللغات . وقد فسّر باختلاف نبرات الصوت ، حتّى لاتشتبه نغمات صوتين ، كما لاتشتبه لمحات وجهين حتى ولو تشابهت الألوان . قال القاضي : وذلك أنّ اللسان آلة في الكلام ، وبحسبه يختلف الكلام ، فأراد تعالى أن يبيّن أنّه خالف بين الألسنة لكي تختلف الأصوات والنغم في الكلام ، فيفصل بين متكلّم ومتكلّم ، كما خالف بين الألوان ، ليقع للمشاهد التمييز . « 4 » 16 - وقوله : « وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » « 5 » كان المشركون يتكلّمون فيما بينهم بأشياء فيخبر اللّه نبيّه ، فقال بعضهم : أسرّوا قولكم لئلّا يسمعه إله محمّد ، فنزلت : أنّه لافرق عند اللّه بين الجهر والإخفات ، إنّه يعلم ما تختلج به صدوركم قبل النطق به . ثمّ جاء التعقيب معلّلا : « أَ لا يَعْلَمُ » - أي خفايا جوانحكم - « مَنْ خَلَقَ » - أي من خلقكم ، فهو أعرف بخباياكم قبل مظاهركم - « وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » « 6 » فلا يعزب عنه شيء وإن دقّ ولطف .
--> ( 1 ) - راجع « إرادة تكوينية وإرادة تشريعية » . ( 2 ) - الحديد 22 : 57 . ( 3 ) - الروم 22 : 30 . ( 4 ) - متشابه القرآن للقاضي ، ج 2 ، ص 553 - 554 ؛ والصافي في تفسير القرآن ، ج 2 ، ص 297 - 298 . ( 5 ) - الملك 13 : 67 . ( 6 ) - الملك 14 : 67 .