الشيخ محمد هادي معرفة

163

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

1 - أمّا قوله تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » « 1 » فسواء أريد الأصنام أم الأعمال ذاتها ، فإنّها مخلوقة للّه بالمعنى المتقدّم ، حيث لم يكن صنع البشر سوى إيجاد شرط التفاعل بين قوى التكوين ، ولم يكونوا هم مستقلّين في تحقيق أيّ صنع أو عمل ما دامت القوى الطبيعية هي التي تتجاذب وتتماسك مع بعضها بإذن اللّه فهي بالانتساب إلى اللّه أولى من انتسابها إلى العباد ، غير أنّ مضاعفاتها السيّئة تعود عليهم حسب إرادتهم واختيارهم للعمل ، وبالفعل هم أوجدوا شرط تحقّقه بإرادتهم الخاصّة . ومن ثمّ قال المفسّرون : « وما تعملونه ، فإنّ جوهرها بخلقه ، ونحتها بإقداره » . وقال القاضي : ظاهر الآية كون « ما » موصولة ، لأنّ ظاهر قولهم : « أعطيتك ماتأكل وماتشرب » هو إرادة المأكول والمشروب ، لانفس الأكل والشرب . نظير قوله تعالى : « تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ » . « 2 » وقوله : « تَلْقَفْ ما صَنَعُوا » . « 3 » وذلك لأنّ الكلام ظاهر في التعليل ، وهو يتناسب وكونه تعالى خالقا لأنفسهم ولما نحتوه ، أمّا كون نفس النحت فعله تعالى ، فهو يصلح تبريرا لفعلهم وعذرا لهم ، إذ حينئذٍ تكون عبادتهم أيضا من فعله تعالى ، فلم يصحّ توجيه اللّائمة إليهم بالذات . « 4 » 2 إلى 6 - والآيات من سورة الفرقان : 2 . وسورة الأنعام : 102 . والرعد : 16 . والزمر : 62 . وغافر : 62 . أيضا بنفس المعنى ، ولاسيّما والتعقيب في سورة الفرقان : « فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » شاهد على إرادة إيداع القوى التي تتماسك مع بعضها في نظام وإتقان . وهكذا التعقيب في سورة الزمر 62 : « وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » دليل على ذلك النظم والتدبير ، وإفاضة القوى الفاعلة عبر الوجود . وقال القاضي : « ظاهر ( خلق ) - هنا - يقتضي أنّه قدّر ودبّر » . قال ابن‌منظور - في لسان العرب - : « والخلق : التقدير . وخلق الأديم يخلقه خلقا : قدّره لما يريد قبل القطع ، وقاسه ليقطع منه مَزادة أو قربة أو خفّا » . وقال ابن‌قتيبة - في تأويل مشكل القرآن ، ص 507 - :

--> ( 1 ) - الصافات 96 : 37 . ( 2 ) - الأعراف 117 : 7 . ( 3 ) - طه 69 : 20 . ( 4 ) - متشابه القرآن للقاضي ، ج 2 ، ص 580 - 586 .