الشيخ محمد هادي معرفة

151

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً » . « 1 » وأمثالهما من الآيات وهي كثيرة جدّا . والمشاءة فيها هي التكوينية ، أي لو أراد ربّك أن يجعل الناس كلّهم مؤمنين بإرادته التكوينية لفعل ، ولما تخلّفت إرادته عن المراد ، كما في قوله تعالى : « فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » . « 2 » لكنّه تعالى لم يشأ الإيمان إلّا عن اختيارهم لغرض الاختبار ، حيث لاتمييز مع الإلجاء . وبذلك يرتفع إيهام التناقض بين أمثال هذه الآيات ، وآيات اخر جاء فيها : أنّه تعالى هدى النّاس جميعا ، ولا يرى لعباده الكفر ، حيث هذه الطائفة من الآيات تعني مشيئته تعالى التشريعية ، أمرا ونهيا ، بعثا وزجرا ، في هداية شاملة وإرشاد عام . قال تعالى : « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » . « 3 » وقال : « وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى » . « 4 » وقال : « وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ » . « 5 » وسنبحث عن أنحاء الهداية ودرجاتها في فصل قادم . مسألة التوحيد في الأفعال التوحيد الكامل هو الاعتقاد بأنّه تعالى واحد في ذاته ، واحد في صفاته ، واحد في أفعاله . ثلاث مسائل تبحث عن توحيده تعالى ، الأولى : توحيد الذات « ليس متركّبا من أجزاء » . الثانية : توحيد الصفات « إنّ صفاته الثبوتية جُمَع لاتنمّ عن تعدّد معان قائمة بذاته المقدّسة ، بل كمال توحيده نفي الصفات عنه ، ولا شيء هناك سوى ذاته القديمة انتزعت لها تلك النعوت » . الثالثة : توحيد الأفعال « لا شريك له في الخلق والإيجاد » . وهذه المسألة الأخيرة هي موضوع بحثنا الآن : إذا كان العبد مستقلًا في أفعاله ، وكان هو الذي يوجدها ويحدثها وفق ما يريد ، إن شاء فعل وإن شاء ترك - كما عليه مذهب أهل

--> ( 1 ) - يونس 99 : 10 . ( 2 ) - فصّلت 11 : 41 . ( 3 ) - الإنسان 3 : 76 . ( 4 ) - فصّلت 17 : 41 . ( 5 ) - الأحزاب 4 : 33 .