الشيخ محمد هادي معرفة
127
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تعالى ، ولا يمكن إرادة الوجه بمعنى العضو المعروف بتاتا : قال تعالى : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » . « 1 » وقال : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » . « 2 » ليس المعنى أنّ الباقي بعد فناء كلّ شيء هو وجهه بمعنى العضو ، بل المراد : لا يبقى شيء سوى ذاته المقدّسة تبارك وتعالى ، أي كلّ شيء هالك إلّا هو . فجاء الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات لاغير . ونستغرب كيف فسّر الأشعري وتابعوه « الوجه » في الآية بمعنى العضو ! في حين أنّ هذا التفسير تحريف واضح بمدلول الآية الظاهري ، يعرفه كلّ من ألقى إلى الآية نظرته ولو بدوية . نعم قد يخفى ذلك على من كان على بصره غشاوة . وقال تعالى : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » . « 3 » أيضا بمعنى ذاته المقدّسة ، المحيطة بهذا العالم إحاطة علم وتدبير ، لا يخلو منه مكان ولا يحويه مكان دون مكان . والآية ردّ على اليهود كانت تزعم أنّ الصلاة تجب إلى البيت المقدّس كما كانت قبل تحويل القبلة إلى البيت الحرام ، وقامت تعير على المسلمين هذا التحويل المفاجىء : إن كان الاتجاه إلى البيت المقدس اتجاها إلى اللّه - كما كان من ذي قبل - فالاتّجاه إلى الكعبة اتّجاه إلى غيره تعالى . وإن كان الاتّجاه إليه هو الاتّجاه إلى الكعبة ، فالاتّجاه السابق كان إلى غيره تعالى . هذا هو الاعتراض الذي وجّهه اليهود إلى المسلمين . « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » . « 4 » فجاءت الآية الكريمة ردّا حاسما على هذا الاعتراض ، أنّه تعالى لم ينحصر في جهة أو مكان ، « قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ » . « 5 » « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » . « 6 » أي أنّ الجهات كلّها للّه وتحت ملكه ، لايختصّ به مكان دون مكان ، وإنّما كانت النسبة إليه تشريفية محضة ، فإن كان اللّه أمركم بالاتّجاه إلى البيت المقدس ، لم يكن ذلك لسبب غير
--> ( 1 ) - القصص 88 : 28 . ( 2 ) - الرحمان 26 : 55 - 27 . ( 3 ) - البقرة 115 : 2 . ( 4 ) - البقرة 142 : 2 . ( 5 ) - البقرة 142 : 2 . ( 6 ) - البقرة 115 : 2 .