الشيخ محمد هادي معرفة

125

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

20 - قال تعالى : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ » . « 1 » أخرج البخاري وابن‌المنذر وابن‌مردويه عن أبيسعيد ، قال : سمعت النبيّ صلى الله عليه وآله يقول : « يكشف ربّنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا » . وهكذا أخرج ابن‌منده في كتابه « الردّ على الجهمية » عن أبيهريرة ، الحديث . وأخرج عبدالرزّاق وعبد بن‌حميد وابن‌المنذر وابن‌منده عن ابن‌مسعود ، قال : « يكشف عن ساقيه تبارك وتعالى » . « 2 » هكذا زعمت المشبّهة ومن على شاكلتهم من حشوية وأشاعرة ، أنّ للّه تعالى يدا ورجلًا وساقا ، ووجها وعينا وغيرها من أعضاء وجوارح . هي حاجة المفتقر إلى عضو وآلة من مزاولة الأُمور . . . ! ونحن في غنى عن إقامة البرهان على استغنائه تعالى عن الاستعانة بشيء على الإطلاق ، لأنّ الحاجة مطلقا صفة الممكن بالذات ، واللّه تعالى واجب الوجود بالذات ، وهو مرجع الحوائج والافتقارات وملجأ كلّ ذي حاجة وفقير ، ويستحيل أن تعرضه تعالى حاجة أو افتقار إلى شيء سوى ذاته المقدّسة ، وإلّا لانقلب الغني الواجب بالذات إلى الفقير الممكن ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . « يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » . « 3 » وإذا لحظنا صفة الغنى في ذاته المقدّسة « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ » « 4 » ورجعنا إلى الآيات الكريمة التي تصفه تعالى بالغني الذاتي في جميع شؤونه تبارك وتعالى « فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ » . « 5 » « وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى » « 6 » كفانا مؤونة البحث عن تنزيهه تعالى عن الأعضاء والجوارح . إنّها آيات محكمات لها صراحة وموافقة لحكم العقل الرشيد ، هنّ امّ الكتاب

--> ( 1 ) - القلم 42 : 68 - 43 . ( 2 ) - الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 254 ؛ وراجع : صحيح البخاري ، ج 6 ، ص 198 عند تفسير سورة القلم . ( 3 ) - فاطر 15 : 35 . ( 4 ) - الأنعام 133 : 6 . ( 5 ) - النمل 40 : 27 . ( 6 ) - النجم 48 : 53 .