الشيخ محمد هادي معرفة
109
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الفوقية وأمّا الآيات التي جاء فيها ذكر العلوّ والفوقية له تعالى . « 1 » أو أنّه في السّماء « 2 » أو أنّه يدبّر الأمر من السماء . « 3 » أو تعرج إليه الروح . « 4 » أو تنزل الملائكة من عنده « 5 » وأمثال ذلك ، فهذه الفوقية والعلوّ لا تعني الجهة التي هي إحدى الجهات الست التي تحدّد بها الأجسام ، من فوق وتحت ويمين ويسار وخلف وأمام . إذ بعد ما انتفت الجسمية عن ذاته المقدّسة ، لم يبق مجال لتصوير الجهة له تعالى إطلاقا . وأمّا هذه التعابير الواردة في الآيات ، فإنّ لها تأويلات حِكَميّة دقيقة ، أوضحها علماء الكلام ، وجاء بعضتفاصيلها في رسالة كتبها أبو العباس أحمد بنإبراهيم الواسطي ، المعروف بابنشيخ الحزاميين ( 657 - 711 ) . « 6 » ونحن نذكر منها مايجيب على غالبية الأسئلة الموجّهة بهذا الصدد : إنّه تعالى كان ولامكان ، لاخلاء ، ولا ملاء ، فلم يكن فوق ولا تحت ولا جهة من الجهات ، إذ لا موجود سواه تعالى . ولمّا خلق اللّه هذا الكون ذا الجهات الست ، انتزعت له تعالى صفة الخالقية والإبداع وتكوين الأكوان ، ولاشكّ أنّه تعالى قبل أن يخلق الكون لم يكن في كون ، وهكذا بعدما خلق الكون لم يحل في كون ، فلم يزل كائنا لافي كون . ولم يزل موجودا لافي جهة ، كما كان قبل أن يكوّن الكون ويوجّه الجهات . وبعد فنبسة ذاته المقدّسة إلى الأكوان والجهات نسبة الترفّع والتعالي عنها ، لأنّها محدثات ، ولاتناسب بين الحادث الممكن بالذات والأزلي الواجب بالذات . إنّه تعالى فوق كلّ شيء ومتعال عنها ، لأنّه أوجدها وأحدثها ، والمخلوق تحت الخالق والصانع فوق المصنوع ، تحتية لا بالجهة وفوقية لا بالجهة ، بل بالاعتبار والسببية المنتزعة ممّا بينهما من نسبة قائمة . وهذا إذا ما لاحظنا من تباين ما بين عالم المادة وعالم ما وراء المادة ، وبما أنّنا
--> ( 1 ) - تقدّمت في كلام الأشعري برقم 2 و 3 و 5 و 7 . ( 2 ) - تقدّم برقم 6 « أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ » . ( 3 ) - تقدّم برقم 4 « يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ » . ( 4 ) - تقدّم برقم 8 « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ » . ( 5 ) - تقدّم في كلام الدارمي برقم 31 - 40 . ( 6 ) - نشرت ضمن مجموعة « أربح البضاعة » ، ص 39 - 55 .