الشيخ محمد هادي معرفة
103
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ولا يوصف بكيف ، ولا أين وحيث . وكيف أصفه بالكيف ؟ وهو الذي كيّف الكيف حتّى صار كيفا ، فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف . أم كيف أصفه بأين ؟ وهو الذي أيّن الأين حتّى صار أينا ، فعرفت الأين بما أيّن لنا من الأين . أم كيف أصفه بحيث ؟ وهو الذي حيّث الحيث حتّى صار حيثا ، فعرفت الحيث بما حيّث لنا من الحيث . فاللّه تعالى داخل في كلّ مكان ، وخارج من كلّ شيء ، « 1 » لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، لا إله إلّا هو العليّ العظيم ، وهو اللطيف الخبير » . « 2 » وقال في جواب ابن أبيالعوجاء : « فأمّا اللّه العظيم الشأن الملك الديّان ، فلا يخلو منه مكان ، ولا يشتغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان » . « 3 » وقال الإمام أبو إبراهيم موسى بنجعفر عليه السلام وقد ذكر عنده أنّ قوما يزعمون أنّ اللّه تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا ! - : « إنّ اللّه لا ينزل ، ولا يحتاج إلى أن ينزل . إنّما منظره ( أي علمه المحيط ) في القرب والبعد سواء ، لم يبعد منه قريب ، ولم يقرب منه بعيد ، ولم يحتج إلى شيء ، بل يُحتاج إليه ، وهو ذوالطول لا إله إلّا هو العزيز الحكيم . أمّا قول الواصفين : إنّه ينزل ( تبارك وتعالى ) فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص وزيادة . وكلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به ، فمن ظنّ باللّه الظنون هلك ، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له حدّ تحدّونه بنقص أو زيادة ، أو تحريك أو تحرّك ، أو زوال أو استنزال ، أو نهوض أو قعود ، فإنّ اللّه جلّ وعزّ عن صفة الواصفين ، ونعت الناعتين ، وتوهّم المتوهّمين » . « 4 » هكذا جاء تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين ، في كلام الأئمّة ومحقّقي العلماء ، وحتّى من متأخّري الأشاعرة ممّن أوّل كلام أوائلهم ، ما عدا أصحاب الحشو منهم فجروا على سلفيّتهم القديمة حتّى هذا العهد ، ولنتعرّض لتفنيد ما زعمته المشبّهة أدلّة على ثبوت الجهة له تعالى .
--> ( 1 ) - إشارة إلى مسألة « لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان » . وقد مرّ في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « مع كلّ شيء لابمقارنة . وغير كلّ شيء لا بمزايلة » . ( 2 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 103 - 104 . ( 3 ) - المصدر ، ص 126 ، رقم 3 ، باب الحركة والانتقال . ( 4 ) - المصدر ، ص 125 ، رقم 1 .