الشيخ محمد هادي معرفة

89

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

جرت عليه عادتهم . فالهذلي يقرأ : « عتى حين » يريد « حَتَّى حِينٍ » « 1 » لأنّه هكذا يلفظ بها ويستعملها . والأسدي يقرأ : تِعلمون وتِعلم - بكسر تاء المضارعة - و « تِسْوَدُّ وُجُوهٌ » « 2 » - بكسر التاء - و « أَلَمْ إعْهَدْ إلَيْكُمْ » « 3 » بكسر الهمز في أعهد . والتميمي يهمز ، والقرشي لا يهمز . والآخر يقرأ « قُيلَ » « 4 » و « غُيضَ » « 5 » - بإشمام الضم مع الكسر - و « رُدَّتْ » « 6 » - بإشمام الكسر مع الضم - و « مالَكَ لا تَأمُنّا » « 7 » بإشمام الضم مع الإدغام . وهذا ما لايَطُوعُ به كلّ لسان . ولو أنّ كلّ فريق من هؤلاء أُمر أن يزول عن لغته ، وما جرى عليه اعتيادُه ، طفلًا وناشئا وكهلا ، لاشتدّ ذلك عليه ، وعظمت المحنة فيه ولم يمكنه إلّا بعد رياضة للنفس طويلة ، وتذليل للّسان ، وقطع للعادة . فأراد اللّه برحمته ولطفه أن يجعل لهم متّسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات ، كتيسيره عليهم في الدين » . « 8 » قال ابن يزداد الأهوازي : وجاء عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس ، أنّهما قالا : نزل القرآن بلغة كلّ حي من أحياء العرب . وفي رواية عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يقرئ الناس بلغة واحدة ، فاشتدّ ذلك عليهم ، فنزل جبرائيل ، فقال : يا محمد ، أقرئ كلّ قوم بلغتهم . قال أبو شامة : هذا هو الحقّ ، لأنّه إنّما أُبيح أن يقرأ بغير لسان قريش توسعة على العرب ، فلا ينبغي أن يوسّع على قوم دون قوم ، فلا يكلّف أحد إلّا قدر استطاعته ، فمن كانت لغته الإمالة ، أو تخفيف الهمز ، أو الإدغام ، أو ضمّ ميم الجمع ، أو صلة هاء الكناية ، أو نحو ذلك ، فكيف يكلّف غيره ؟ وكذا كلّ من كان من لغته أن ينطق بالشين التي كالجيم في نحو : أشدق ، والصاد التي كالزاي في نحو : مصدر ، والكاف التي كالجيم ، والجيم التي

--> ( 1 ) - المؤمنون 54 : 23 . ( 2 ) - آل عمران 106 : 3 . ( 3 ) - يس 60 : 36 . ( 4 ) - البقرة 11 : 2 . ( 5 ) - هود 44 : 11 . ( 6 ) - يوسف 65 : 12 . ( 7 ) - يوسف 11 : 12 . ( 8 ) - تأويل مشكل القرآن ، ص 39 - 40 .