الشيخ محمد هادي معرفة
77
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فقد كتبوا « ملك » بميم ولام وكاف . ولكن بما أنّ عادتهم كانت على حذف الألفات جريا مع مرسوم خطّ السريان ، ومن ثمّ اجتهد بعض القرّاء زاعما أنّ الكلمة مرسومة على نفس النمط ، فقرأها « مالك » بالألف ، مستندا في ذلك إلى تعاليل وحجج تؤيّد اختياره . فقد قرأ عاصم والكسائي بالألف محتجّين بقوله تعالى : « قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ » « 1 » وأدلة أُخرى سردها أبو محمد بتفصيل . « 2 » وقرأ الباقون : « ملك » بلا ألف ، جريا مع ظاهر الرسم ، محتجّين بقوله تعالى : « الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ » « 3 » وأدلة أُخرى . وهكذا كلمة : « غَيابَتِ الْجُبِّ » كانت مرسومة هكذا « غيبتِ الْجُبِّ » قرأها نافع بالألف جمعا ، زاعما أنّها مرسومة محذوفة الألف في كلا الموضعين بعد الياء وبعد الباء . فقرأها « غيابات » . وعلّلها بأنّ كلّ ما غاب عن النظر من الجبّ غيابة . وقرأ الباقون مفردا « غيابة » على ظاهر الخطّ ، معلّلين بأنّ يوسف لم يلق إلّا في غيابة واحدة . « 4 » كما أنّ « آياتٌ لِلسَّائِلِينَ » « 5 » كانت مكتوبة « آيتٌ » بلا ألف ، ومن ثمّ قرأها ابن كثير بالتوحيد جريا مع ظاهر الخطّ محتجّا بأنّ شأن يوسف كلّه آية واحدة . كما في قوله : « وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً » . « 6 » وقرأ الباقون : « آيات » اعتمادا على أنّ الألف محذوفة ولانتقال يوسف من حال إلى حال ، ففي كلّ حال جرت عليه آية . « 7 » إذن فليس اختلاف القراءة بالّذي يضرّ بوحدة النصّ الأصل ، الثابت في المصحف الأوّل ، ممّا تسالمت عليه الأُمّة عبر التأريخ . وقد أخرج ابن اشتة في كتاب « المصاحف » وابن أبي شيبة في « فضائل القرآن » من
--> ( 1 ) - آل عمران 26 : 3 . ( 2 ) - راجع : الكشف ، ج 1 ، ص 25 - 26 . ( 3 ) - الحشر 23 : 59 . ( 4 ) - الكشف ، ج 2 ، ص 5 . ( 5 ) - يوسف 7 : 12 . ( 6 ) - المؤمنون 50 : 23 . ( 7 ) - الكشف ، ج 1 ، ص 5 .