الشيخ محمد هادي معرفة
49
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تحمّسات عاطفيّة فارغة تلك تصريحات ضافية من أئمّة الفنّ قديما وحديثا ، تنبئك بوضوح عن واقعيّة ناصعة لا مجال للتشكيك فيها ، وسنعرضها على أدلّة وافية باستجلاء الحقيقة أكثر . ومع ذلك فقد تحمّس البعض وبالغ في الإشادة بشأن القراءات السبع ، قائلًا : من زعم أنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر ، فقوله كفر ، لأنّه يؤدّي إلى عدم تواتر القرآن جملة . . . ويعزي هذا الرأي إلى مفتي البلاد الأندلسيّة أبي سعيد « فرج بن لب » وقد تحمّس لرأيه كثيرا وألّف رسالة كبيرة في تأييد مذهبه والردّ على من ردّ عليه . لكن دليله الذي استند إليه لا يسلم له ، فإنّ القول بتواتر القرآن لا يستلزم القول بتواتر القراءات ، للفرق الواضح بين القرآن والقراءات السبع ، بحيث يصحّ أن يكون القرآن متواترا في غير القراءات السبع ، أو في القدر المتّفق عليه عند القرّاء جميعا ، أو في القدر الذي اتّفق عدد منهم يؤمن تواطؤهم على الكذب ، قرّاء كانوا أم غير قرّاء بينما لا تكون القراءات السبع متواترة ، وذلك في القدر الذي اختلفوا فيه . « 1 » وسنوضّح ذلك بتفصيل . وهكذا بالغ ابن السبكي في « جمع الجوامع » قال : « القراءات السبع متواترة تواترا تاما ، أي نقلها عن النبيّ صلى الله عليه وآله جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم وهلمّ جرّا . ولايضرّ كون أسانيد القرّاء آحادا ، إذ تخصيصها بجماعة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم ، بل هو الواقع ، فقد تلقّاها - عن أهل كلّ بلد بقراءة إمامهم - الجمّ الغفير عن مثلهم ، وهلّم جرّا » . « 2 » ويناقش قوله هذا ، بأنّها لو تواترت جميعا لما اختلف القرّاء في شيء منها . وأيضا فإنّ كلامه الأخير أبان اشتباه قائله في خلط التواتر عن النّبي صلى الله عليه وآله بالتواتر عن القرّاء . وقد أسبقنا طعن الزمخشري على ابن عامر قراءته بإضافة القتل إلى الشركاء مع فصل المفعول به ( سورة الأنعام : 137 ) قائلًا : إنّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه إن كان فهو من ضرورة الشعر وليس من فصيح الكلام ، ولاسيّما مثل القرآن المعجز بحسن نظمه
--> ( 1 ) - راجع : مناهل العرفان : ج 1 ، ص 435 . ( 2 ) - المصدر ، ص 436 .