الشيخ محمد هادي معرفة

315

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والصحيح : أنّ الآية تعني أمرا لا يقبل نسخا ولا تخصيصا . إنَّ دين اللّه دين فطرة وعقيدة ، منبعث من الأعماق ، فتبعث على الاستقامة في مجالي العقيدة والسلوك « إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا . . . » « 1 » قولًا منبعثا من أعماق فطرتهم ، واستقامة في جميع اتجاهاتهم . وهذا لابدّ أن يسبقه يقين صادق وإيمان جازم راسخ ، الأمر الذي تعجز القوّة القاهرة عن تكوينه إلّا ببرهان رشيد وبيان رصين . وهناك فرق كبير بين الإسلام والاستسلام ، « قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا » « 2 » - أي استسلمنا - . والمطلوب الأقصى هو الإيمان الصادق . وهو أمر قلبيّ ، ولا سلطة لسوى البرهان على القلوب ، ومن ثمّ فإنّ من طبيعة الدّين الذاتيّة هو الاختيار لا جبر ولا إكراه . ومن ثمّ قال تعالى تفريعا على الآية المذكورة « قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » . « 3 » قال السيّد شبّر رحمه الله : لم يجر اللّه أمر الدين على الإجبار بل على الاختيار ، « فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » « 4 » وليست المشيئة في الاختيار ترخيصا شرعيّا ، بل تنويها بشأن هذا الدين الحقّ الذي لايعالجه سوى وضح البرهان وقدرة البيان . وما ذكروه سببا لنزول هذه الآية شاهد آخر على إرادة هذا المعنى . « 5 » 25 - « وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ » . « 6 » قال ابن حزم : نسختها « فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ » . « 7 » قلت : هذا تخصيص في الحكم العامّ . وليس من النسخ المصطلح . 26 - « وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » . « 8 » روي عن أبي هريرة - في حديث - : أنّها منسوخة بآية « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا

--> ( 1 ) - فصّلت 30 : 41 . ( 2 ) - الحجرات 14 : 49 . ( 3 ) - البقرة 256 : 2 . ( 4 ) - الكهف 29 : 18 . راجع : تفسير شبّر ، ص 79 . ( 5 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 363 - 364 . ( 6 ) - البقرة 282 : 2 . ( 7 ) - البقرة 283 : 2 . ( 8 ) - البقرة 284 : 2 .