الشيخ محمد هادي معرفة

282

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بالتحقيق ودقّة النظر والاختيار . كيف يقول : لا حاجة إليها وهي سند حكم تشريعيّ ثابت ! ثمّ كيف لا يعلم بالآية أحد من كتبة الوحي ولم يكتبوها سوى أنّها كتبت في صحيفة وأُودعت عند عائشة فحسب ، وكيف أنّها تركتها تحت سريرها ليأكلها داجن البيت ؟ ! كلّ ذلك لغريب يستبعده العقل السليم . والذي غرّ هؤلاء : أنّها أحاديث جاءت في الصحاح الستّة وغيرها ، « 1 » ولابدّ لهم - وهم متعبّدون بما جاء فيها - أن يتقبّلوها على علّاتها مهما خالفت أساليب النقد والتحقيق . هذا . . . وقد أكثر جلال‌الدين السيوطي « 2 » من نقل هكذا روايات ساقطة ، ومن قبله شيخه بدرالدين الزركشي ولكن مع شيء من الترديد ، « 3 » وقد أخذها بعض الكاتبين المحدثين أدلّة قاطعة من غير تحقيق . قال - متشدّقا - . وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى ، ثبت جوازهما ، لأنّ الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرّر . وإذن بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع كأبي مسلم ومن لفّ لفّه ، ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل ، وهم فريق من المعتزلة شذّ عن الجماعة ، فزعم أنَّ هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلا . « 4 » قلت : ما أشرف حكم العقل لولا أنّ أمثال الزرقاني حصروه في أصحاب الاعتزال ، وجعلوا من أنفسهم بمعزل عن نور العقل الحكيم . وأمّا الأُستاذ العريض فقد ذهب هنا مذهبا تحقيقيّا وأسهب في الردّ على هذا القول الفاسد ، دفاعا عن كرامة القرآن . ونقل عن جماعة من معاصريه مواكبته على هذا الرأي السديد . « 5 »

--> ( 1 ) - راجع : البخاري ، ج 8 ، ص 209 - 210 ؛ ومسلم ، ج 5 ، ص 116 وج 4 ، ص 167 ؛ والمستدرك على الصحيحين ، ج 4 ، ص 359 ؛ ومسند أحمد ، ج 1 ، ص 23 وج 2 ، ص 43 ؛ وسنن الترمذي ، ج 4 ، ص 39 وج 3 ، ص 456 . ( 2 ) - راجع : الإتقان ، ج 3 ، ص 72 - 75 ؛ والدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 366 تحت الآية 52 من سورة الحج . ( 3 ) - راجع : البرهان للزركشي ، ج 2 ، ص 35 - 37 . ( 4 ) - راجع : مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 215 - 216 . ( 5 ) - راجع : فتح المنّان ، ص 224 - 230 .