الشيخ محمد هادي معرفة

280

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

كذب الراوي أو خطئه . وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أنّ آية الرجم من القرآن وأنّها نسخت ؟ ! نعم جاء عمر بآية الرجم وادّعى أنّها من القرآن ، لكن المسلمين لم يقبلوا منه . لأنّ نقلها كان منحصرا به ، فلم يثبتوها في المصاحف ، لكن المتأخّرين التزموا بأنّها كانت آية منسوخة التلاوة باقية الحكم . « 1 » هذا . . . ولكن جلّ علماء أهل السنّة بما فيهم من فقهاء كبار وأئمّة محقّقين ، التزموا بهذا القول المستند إلى لفيف من أخبار آحاد زعموها صحيحة الإسناد ، وهذا إيثار لكرامة القرآن على حساب روايات لاحجّيّة فيها في هذا المجال ، وإن فرضت صحيحة الإسناد في مصطلحهم ، إذ صحّة السند إنّما تجدي في فروع مسائل فقهيّة ، لا إذا كانت تمسّ كرامة القرآن وتمهّد السبيل لإدخال الشكوك على كتاب المسلمين . هذا الإمام السرخسي - المحقّق الأُصولي الفقيه - بينما شدّد النكير على القائل بالنسخ من النوع الأوّل ، إذا هو يلتزم به في هذا النوع ، في حين عدم فرق بينهما فيما ذكره من استدلال لبطلان الأوّل . قال : وأمّا نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه فيما قال علماؤنا : إنَّ صوم كفّارة اليمين ثلاثة أيّام متتابعة ، بقراءة ابن مسعود : « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » . وقد كان هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة ، ولكن لم يوجد فيها النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن ، وابن مسعود لايشكّ في عدالته وإتقانه ، فلا وجه لذلك إلّا أن نقول : كان ذلك ممّا يتلى في القرآن - كما حفظه ابن مسعود - ثمّ انتسخت تلاوته في حياة رسول اللّه صلى الله عليه وآله بصرف القلوب عن حفظها إلّا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله ، فإنَّ خبر الواحد موجب للعمل به ، وقراءته لا تكون دون روايته ، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق . « 2 » قلت : غير خفيّ ضعف هذا الاستدلال ووهن هذا التأويل ! وفيما يلي عرض لما أسهبه ابن حزم الأندلسي بهذا الشأن ، وهو الإمام المحقّق

--> ( 1 ) - البيان في تفسير القرآن ، ص 304 . ( 2 ) - الأُصول للسرخسي ، ج 2 ، ص 81 .